الأربعاء, سبتمبر 30, 2020
الرئيسيةنظرةتقاريرالهجوم الإرهابي في نيوزيلندا يجسد ثقافة الكراهية وتنامي ظاهرة “الاسلاموفوبيا”
تقاريرعاجللا للإرهاب

الهجوم الإرهابي في نيوزيلندا يجسد ثقافة الكراهية وتنامي ظاهرة “الاسلاموفوبيا”

بقدر ما يجسد الهجوم الإرهابي على المصلين في مسجدين بنيوزيلندا ثقافة الكراهية فان هذا الهجوم الدموي الغادر الذي اسفر امس اثناء صلاة الجمعة عن مقتل واصابة عدد كبير من الأبرياء في مدينة “كرايست تشيرش” يشكل ذروة جديدة في ظاهرة “الاسلاموفوبيا”.
وظاهرة “الاسلاموفوبيا” تعني حرفيا “رهاب الإسلام” غير انها كمصطلح دخل قاموس الإنجليزية عام 1997 بات يعبر عن ثقافة الكراهية والتحامل على الإسلام والمسلمين ومفاهيم ودلالات في الواقع بالغرب تتضمن “صنع قوالب جاهزة وإصدار احكام مسبقة على المسلمين”.
وكما تبدى في الحادث الإرهابي بنيوزيلندا فلظاهرة الاسلاموفوبيا انعكاساتها االمباشرة والخطيرة على المسلمين الأبرياء الذين يعيشون في دول الغرب حيث يتعرض بعضهم لاعتداءات دموية دون اي مبرر سوى تلك “الصور الذهنية السلبية الناجمة عن لغة وخطاب وممارسات عنصرية ترفض الآخر وتناويء التنوع والتعدد.
ووصفت رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا اردن هذا الحادث الإرهابي بأنه “واحد من احلك أيام نيوزيلندا” فيما كان من الملاحظ حرص احد القتلة على توثيق الجريمة المروعة باستخدام خاصية البث المباشر على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”.
وكان الامام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الدكتور احمد الطيب قد ذكر في بيان صدر امس ان “تلك المذبحة الإرهابية الشنيعة التي حرص منفذوها على تصويرها وبثها على الهواء للعالم كله لا تختلف كثيرا عن مشاهد قطع الأعناق المروعة التي ارتكبتها عصابات داعش الاجرامية، فهما فرعان لشجرة واحدة رويت بماء الكراهية والعنف والتطرف”.
كما لاحظ معلقون “مسألة استدعاء وقائع تاريخية تصب في خانة ثقافة الكراهية” حيث عمد قاتل في جريمة كرايست تشيرش لكتابة “تولوز 721″ على مدفعه الرشاش الذي حصد به أرواح المصلين في إشارة لمعركة تولوز التي جرت عام 721 بين جيوش الأمويين والفرنسيين.
ومدينة كرايست تشيرش التي يقترب عدد سكانها من النصف مليون نسمة تعد ثالث اكبر المدن في نيوزيلندا بعد اوكلاند وويلنجتون وتتميز بالهدوء والجمال الخلاب وتنتشر فيها الحدائق والمساحات الخضراء لم تشهد من قبل أي اعمال عنف او إرهاب على غرار ماحدث امس في صلاة الجمعة.
وأثار هذا الحادث الإرهابي في مدينة كرايست تشيرش بنيوزيلندا مشاعر الاستنكار والأسى العميق من جانب المثقفين سواء في مصر او العالم ككل بقدر مالفت مجددا لخطورة خطاب الكراهية وأهمية الدعوة لمزيد من الاهتمام الثقافي بقضية” صناعة الصورة الغربية الزائفة التى تجعل الاسلام إرهابا والمسلمين ككل ارهابيين” فيما ينبغي ان تأخذ في اعتبارها ان هذه الصناعة الغربية “تقوم عليها مؤسسات وخبراء” واستباح المنخرطون فيها عبر التاريخ “كل المحرمات والحدودالأخلاقية.
ودعا الدكتوراحمد الطيب لتجريم “الاسلاموفوبيا ومحاصرتها ورفع أي غطاء سياسي او ديني عن أصحابها” فيما لاحظ في بيانه امس ان “ظاهرة الاسلاموفوبيا وتيارات العداء العنصري للأجانب والمهاجرين في الغرب لم تحظ حتى الآن بالاهتمام الكافي رغم خطورتها وتحولها في كثير من الحالات لأعمال عنف وكراهية مقيتة”.
وعلى مدفعه الرشاش الذي ارتكب به جريمته النكراء ضد المصلين الأبرياء في مسجدين بمدينة كرايست تشيرش جنوب نيوزيلندا كتب القاتل أيضا اسمي شخصين قاما من قبل بشن هجومين على مسجد في كندا ومهاجرين افارقة في إيطاليا وهما المجرمان “الكسندر بيسونيت ولوكا ترايني”.
وكانت تقارير إخبارية قد أفادت ان الإرهابي الأسترالي برينتون تارانت الذي ارتكب امس “مذبحة كرايست تشيرش” كان قد نشر وثيقة وصف فيها المسلمين والمهاجرين واللاجئين في أوروبا “بالغزاة والمحتلين” مؤكدا ضرورة “اخلاء أوروبا من غير البيض” كما أشار لتأثره بارهابي اخر في النرويج هو اندرس بريفك الذي قتل هناك 77 شخصا في عام 2011.
وعند ارتكاب جريمته الإرهابية في النرويج اعتبر اندرس بريفك ان اعداء الفكر العنصرى الذى يزهو به يسيطرون على مقاليد الأمور فى بلاده منذ عام 1945 وفرضوا مبادئهم الديمقراطية ورؤاهم الاقتصادية مضيفا :لقد تركوا المساجد تنتشر فى اوسلو كما سمحوا للدخلاء بالسطو على تراثنا وموروثنا الثقافى والزواج من نرويجيات بما يلوث نقائنا العنصرى.
واردف حينئذ قائلا :ان واجبنا هو حماية النقاء العنصرى للنرويجيين والقضاء على من يهدد هذا النقاء مشيرا الى ان اوروبا كلها مهددة بالهجرات الجماعية بكل مايترتب على هذه الهجرات من فوضى وازمات اقتصادية فيما اعتبر ان كل من ينكر الصراع العنصرى فى النرويج اما انه اعمى او خائن.
واذا كان منفذ هجوم أمس الإرهابي في نيوزيلندا لايخفي تأثره بمنفذ الهجوم الإرهابي في النرويج عام 2011 فان الناقد الثقافي بريان اوليفر فى صحيفة الاوبزرفر البريطانية قال بعد “الجريمة النرويجية” ان اصابع الاتهام فى جريمة اندرس بريفيك تتجه بقوة نحو تيار من الكتابات التى تغذى الفكر العنصرى المتطرف فى النرويج.
ورصد بريان اوليفر ملامح الكتابات القصصية والروائية التى تغذى الفكر العنصرى فى النرويج وبقية الدول الاسكندنافية والأوروبية ليقول انها تحفل بشخصيات تعبر دوما عن هواجس مرضية للخوف من الاجانب.
وفيما انتهكت جريمة اندرس بريفيك التى روعت النرويجيين في عام 2011حتى هذا المظهر الخارجى العذرى للنرويج فان الأمر لم يختلف بالأمس عندما انتهك الهجوم الإرهابي المظهر العذري لمدينة كرايست تشيرش في جنوب نيوزيلندا.
ومع الصعود الواضح للتطرف العنصري وخطاب الكراهية للآخر في أوروبا والغرب ككل فان الثقافة الغربية تشهد أيضا اجتهادات لفهم الظاهرة ومحاولة درء شرورها مثل الكتاب الجديد الذي صدر في باريس لمثقفتين من الأكاديميين الفرنسيين وهما أستاذة الأنثروبولوجي ايفيليين ايير والباحثة التاريخية كارول رينو حيث تسلطان في كتابهما “هل كلنا من افريقيا حقا؟” أضواء كاشفة على جذور البنية الاجتماعية المغذية للعنصرية.
ومع ان هذا الكتاب يوضح ان ظاهرة الهجرة قديمة وترجع لفجر التاريخ الانساني فان أوروبا تشهد حاليا ذروة جديدة في خطابات وممارسات الكراهية التي تستهدف اللمهاجرين بينما كانت نظرية “صراع الحضارات” للمفكر الأمريكي صمويل هنتجتون قد اثارت جدلا مريرا منذ طرحها عام 1993 واعتبرت ضارة بالعلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي.
وهاهو رئيس الوزراء الاسترالي السابق وزعيم الحزب الليبرالي توني ابوت يجهر بالقول بأن ” الثقافات والحضارات ليست متساوية” وعلى الغرب اعلان تفوقه على الثقافة الاسلامية التي ذهب الى انها “ثقافة تبرر القتل باسم الله”.
وربما تكمن خطورة طرح هذا السياسي الاسترالي في انها تعبر عن اتجاه غربي متطرف ينزع نحو الخلط الواضح والعمدي بين ممارسات ارهابية مرفوضة لجماعات تروع المسلمين قبل غيرهم وبين الاسلام ذاته كدين والطعن في صميم جوهره وتصويره بأنه يشكل خطرا جسيما على الحضارة الغربية فضلا عن تكريس فكرة “التفوق الثقافي او الديني لمجموعة بعينها من البشر في العالم”.
وكان رئيس الوزراء الايطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني قد ذهب بدوره الى ان “الحضارة الغربية متفوقة على حضارة العالم الاسلامي” وقال :”يجب ان نعي حقيقة تفوق حضارتنا الغربية التي تتكون من نظام قيم منح الشعوب رخاء واسعا في دولنا ويحترم حقوق الانسان والديانات اكثر من العالم الاسلامي الذي تنتفي فيه هذه القيم”.
واذ ينبغي التأكيد ان “الغرب ليس واحدا ولايمكن وضعه ككل في سلة واحدة” لأن هناك تيارات اخرى تختلف مع هذا التيار الاستعلائي والاقصائي يتعين القول ايضا فى سياق الاضاءة الثقافية الواجبة يبدو جليا ان هذا “التيار القديم الجديد” بمنابعه الفكرية الاقصائية العنصرية يفعل افاعيله فى الثقافة الغربية.
ويمكن القول انه “يسرطن اى حوار جاد وهادف بين الثقافات المتعددة بقدر مايستهدف بشروره المسلمين فى الغرب ناهيك عما دفعه العالم العربي من ثمن باهظ لأفكار ونظريات بعض الساسة في الغرب مثل “نظرية الفوضى الخلاقة” التي ثبت انها تشجع التطرف والارهاب الذي يشكو منه الغرب للمفارقة!.
واذ تتوالى المشاهد الاقصائية العنصرية فى السنوات الأخيرة بالغرب فان كتابا مثل “رضوخ” الذي صدر في قالب روائي بقلم الكاتب الفرنسي ميشيل ويلبيك حافل بالعداء للاسلام ويعزف على وتر التخويف من هذا الدين واتباعه رغم انه يظهر جهلا واضحا به بينما تمضي “الجبهة الوطنية” بزعامة مارين لوبن قدما في خطابها اليميني المتطرف والمعادي للمسلمين بدعوى التصدي “لعملية اسلمة فرنسا” التي يحذر منها ويلبيك في روايته.
فهناك تيار له شأنه تاريخيا وحتى راهن اللحظة فى الغرب الأوروبى يتحرك ضد الاسلام كدين والمسلمين كبشر ويرى من منظوره المزور للحقائق والتاريخ ان الاسلام دين رجعى عصى على التغيير وهو مايتجلى مثلا فى كتاب لكريستوفر كالدويل عنوانه “تآملات حول الثورة فى اوروبا:الهجرة والاسلام والغرب”.
وفى هذا الكتاب بذل كالدويل جهدا كبيرا واحتشد لنصرة قضيته وفرض الافتراضات وخاض فى لجة من المصادر والمراجع والاحالات مابين احصاءات حكومية وارقام رسمية ودراسات مسحية مجتمعية وتقارير لمراكز البحوث وروايات ادبية وقصص صحفية بلغات شتى تجاوزت الثمانى لغات.
غير ان الجبل كما يقولون تمخض عن فأر فاذا بالنتائج النهائية لهذا العمل سطحية وغير مدعومة بأدلة متماسكة يمكن ان يعتد بها فيما عمد كريستوفر كالدويل لانتقاء معطيات او وقائع واحالات بعينها لدعم افتراضه الاساسى آلا وهو :”ان الاسلام كدين قائم على الايمان والتسليم هو الضد من اوروبا القائمة على الشك والتساؤل”.
واذا كانت بيانات منشورة قد أفادت ان نسبة المسلمين في نيوزيلندا تبلغ 1 في المائة من مجموع السكان الذي يقدر بخمسة ملايين نسمة وسط مؤشرات تؤكد انهم في “حالة نمو حيث تزايد عددهم ست مرات بين عامي 1991 و2006” فالكتلة الكبيرة من المهاجرين المسلمين فى اوروبا تهدد فى نظر تيار الكراهية الثقافة الأوروبية الأصيلة المرتكزة منذ عصر التنوير على السؤال والشك.
وهكذا تجاهل الكاتب الأمريكى كريستوفر كالدويل بصورة معيبة حقا كل النصوص الاسلامية التى تحض على السؤال والتساؤل وتعلى من حرية العقل والفكر فيما لم يخف شعوره بالقلق حيال من انتماء الكثير من المهاجرين فى دول اوروبية للاسلام .
ولم يتردد كالدويل فى الافصاح عن توجسه وكراهيته للمهاجرين المسلمين على وجه الخصوص بالمقارنة مع غيرهم من المهاجرين سواء كانوا من السيخ والهندوس والآفارقة غير المسلمين فضلا عن القادمين من منطقة الكاريبى.
وعلى سبيل المثال ففى خضم الرؤية الانتقائية والافتراضات المسبقة والمتحيزة بصورة صارخة تجافى المنهج العلمى-تجاهل كريستوفر كالدويل ادلة عديدة قدمها باحثون كبار ولهم اوزان فكرية معتبرة مثل فيليب لويس وجيتى كلاوسن تثبت ان هويات المسلمين غير جامدة بل تتحول وتتفاعل مع المتغيرات حتى ان غالبية الشباب من المسلمين فى بريطانيا على سبيل المثال يشاركون اقرنهم من غير المسلمين الكثير من اهتماماتهم الثقافية الشابة.
وفي كتاب “الفاشية البريطانية الجديدة..صعود الحزب القومى البريطانى” يسعى المؤلف ماثيو جودوين للاجابة على اسئلة تدور حول اسباب تصاعد هذه الظاهرة المثيرة للقلق بجذورها الثقافية متخذا من الحزب القومى نموذجا لدراسة التيار اليمينى المتطرف بتلاوينه العنصرية والفاشية.
والتقى المؤلف مع العديد من اعضاء جماعات الفاشية الجديدة الذين تحدثوا عما يصفونه “بالتهديدات التى يتعرض لها البريطانيون البيض ووجودهم فى بلادهم من جانب المهاجرين والأجانب” مشيرا الى ان تلك الجماعات العنصرية تستخدم “غلالة ثقافية قومية ناعمة لاخفاء جوهر اهدافها الفظة واساليبها العنيفة”.
وتستغل الجماعات الفاشية الجديدة فى بريطانيا مثل “عصبة الدفاع الانجليزية” التى تكتسب تأثيرا ملحوظا فى الشارع تنامى ظاهرة “الاسلاموفوبيا” او الخوف المرضى فى بريطانيا والغرب من الاسلام والمسلمين.
واذا كان التيار الاقصائى العنصرى فى الغرب له تاريخه الممتد وتقاليده ورموزه مثل ارنست رينان وهيلير بلوك وبرنارد لويس وصمويل هنتنجتون فيما لايخفي البعض رغبته في حروب بين الحضارات والثقافات لاثبات تفوق الحضارة الغربي فبالتأكيد فان هذا التيار ليس التيار الوحيد او حتى الغالب باكتساح فى الثقافة الغربية.
فثمة تيارات متعددة ومتنوعة ومن بينها من يؤمن بقيمة العقل واهمية التسامح ويمكن التحاور معها ومد الجسور الثقافية من اجل عالم افضل وبعيدا عن الدعوات المسعورة هنا وهناك على ضفاف الدم وتضاريس الكراهية والأفكار الظلامية والعنصرية.
ورغم أصوات تتعالى مطالبها بضرورة فرض نمط واحد للثقافة الأوروبية على المهاجرين في بلدان اورووبية كفرنسا وبريطانيا فان الكاتب البريطاني كريستوفر دي بيلاجيو يلاحظ في المقابل وجود تيار اوروبي وازن يؤيد سياسات التعدد والتنوع الثقافي التي تثري أي مجتمع انساني.
وهذا الموضوع يشكل جوهر الكتاب الذي صدر لجيمس فيرجسون بعنوان:”كل بريطانيا وطني :رحلة عبر بريطانيا المسلمة” ويرصد فيه أحوال المسلمين بمنظور ثقافي تاريخي وخاصة على صعيد سياسات التنوع الثقافي في بريطانيا مع دفاع عقلاني عن احترام المشاعر الدينية للمسلمين في أوروبا وقيمهم كشرط جوهري لضمان التماسك المجتمعي في البلدان التي يعيش فيها هؤلاء المسلمون.
وهذا التيار العقلاني في الثقافة الغربية يخدم حوار الثقافات المنشود بدلا من افكار صراع الحضارات وتحويل التاريخ الى قروح وجراح وجدران كراهية متبادلة تثير المزيد من الشكوك والمخاوف التي تقوض جسور الحوار بين الثقافات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *