الإثنين, سبتمبر 21, 2020
الرئيسيةنظرةتقاريراللواء الغباري : الشتات واليهود واستمرار التفكير الاستراتيجي المضاد
تقارير

اللواء الغباري : الشتات واليهود واستمرار التفكير الاستراتيجي المضاد

تمتلك مصر قاعدة كبيرة وغنية من الأمثال الشعبية ومنها المثل الشعبى «لا يفل الحديد إلا الحديد»، وعلى ذلك لا يفل الفكر ويدحضه إلا الفكر، وهنا نخرج بنتيجة أن الفكر الاستراتيجى لطرف ما لابد أن يقابله الطرف الآخر بفكر استراتيجى مضاد وعند تطبيق ذلك على الصراع العربى الإسرائيلى فنطرح سؤالا مهما هل استخدم أى من الطرفين الفكر الإستراتيجى فى صراعه؟

نجد ان نبى اليهود عيزرا (العزير) وضعه فى أسفار العهد القديم عندما سجل اوامر الرب لنبى الله موسى بتجييش الشعب لدخول ارض الميعاد (فلسطين) بخطة من اربع مراحل نفذ منها الاولى وهى الاستطلاع والاتصال بارض الميعاد والمرحلة الثانية مرحلة الاغتصاب نفذها يوشع بن نون وعهد القضاة وشاؤول(طالوت)والمرحلة الثالثة وهى التوسع حققها نبى الله داوود وأطلق عليها مملكة داوود أو المملكة المتحدة والمرحلة الرابعة نفذها نبى الله سليمان لاستكمال المملكة وذلك خلال اربعمائة سنة تقريبا قبل انقسامها الى مملكتين ثم القضاء عليهما بواسطة الاشوريين والبابليين فالشتات الاول والعودة دون كيان سياسى ثم الشتات الثانى على يد ادريان الرومانى عام 130م الى نهاية القرن التاسع عشر .

انعقد مؤتمر بازل عام1897 برئاسة تيودور هيرتزل ووضع خطة العودة طبقا للمراحل السابقة مع اختلاف الاطراف المشتركة فى الصراع والداعمة لليهود والصهيونية ضد العرب فكانت مرحلة الاستطلاع والاتصال بالارض وبدء تدفق المهاجرين اليهود وانتهت هذه المرحلة بنهاية الحرب العالمية الاولى بحصولهم على وعد بلفور والانتداب البريطانى على فلسطين وبدأت مرحلة اغتصاب الارض بإقامة اولى المستعمرات القتالية عام1923م بعد بلوغ عدد المهاجرين اليهود اكثر من 65 ألف فرد يمكنهم الدفاع عن انفسهم مع الحماية البريطانية وانتهت هذه المرحلة بإعلان دولة إسرائيل عام1948م لتبدأ الاستعداد للمرحلة الثالثة التوسع بإعلان تشكيل جيش الدفاع الاسرائيلى فى نوفمبر1948ليكون وسيلة تحقيق مرحلة التوسع والتى انتهت بما حققته اسرائيل فى حرب يونيو 1967من احتلال سيناء وغزة والضفة الغربية والجولان ولم يتبق إلا مد الاحتلال الى نهر الفرات لتحقيق المرحلة الرابعة وحلم أرض الميعاد كما فى خريطة المملكة الداوودية(انظر الخريطة) وهذا لا يتحقق إلا باستمرار الحرب لذا وضعت إسرائيل كل العراقيل لإفشال أى محادثات او مفاوضات حول الانسحاب من الاراضى العربية لإحلال السلام واستمرت على عنادها بدعم من الولايات المتحدة.

لم يكن هناك شكل لدولة او دول عربية قبل الاسلام اى فى منتصف القرن السابع الميلادى وكان الصراع بين اليهود وسكان الشام فقط ولذا قامت الممكلة الداوودية وانتهت وتم طرد اليهود من الشام عام130م وبدأ الصراع عند العودة فى اواخر القرن19 واوائل القرن العشرين والعرب عبارة عن ولايات تحت الحكم العثمانى وانحصر الصراع بين اليهود وسكان فلسطين ودعم من الجوار دون خطط محددة او فكر للمقاومة واول تجمع لمواجهة اليهود كان عامي1947م و1948م لمنع قيام دولة لليهود وفشلوا فى ذلك واستمر العرب على فرقتهم وفشلهم فى الوحدة او الاتحاد حتى ولو فى الكلمة الى أن حلت كارثة يونيو1967م وقبولهم بقرار وقف اطلاق النيران والقرار رقم 242 وسارعوا الى عقد القمة العربية فى الخرطوم لدراسة واستبيان الموقف وما يلزم من قرارات ضرورية ومستقبلية وأعتقد انها المرة الاولى التى يظهر فيها الفكر الاستراتيجى العربى حيث تمحور فى لا استسلام للهزيمة العسكرية والعمل من اجل ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة بدأ النشاط السياسى العربى بإزالة الخلافات العربية العربية والاصطفاف والاتحاد من اجل ازالة اثار العدوان وتحرير الاراضى العربية بالاضافة الى دعم دول المواجهة ومساعدة مصر فى عودة قواتها من اليمن وتخصيص دعم مالى تعويضا عن غلق قناة السويس.

لم ترفض مصر جهود الحل السلمي، بل سمحت للاتحاد السوفيتى بالقيام بكل ما يراه مناسباً فى هذا المضمار، وإجراء اتصالاته مع جميع الأطراف بشرط عدم التفاوض مع إسرائيل إلا بعد الانسحاب من الأراضى التى إحتلتها مع عدم التنازل عن أى جزء منها .

كان الفكر الاستراتيجى للسياسة الخارجية المصرية مبنيا على اساس رفض الهزيمة العسكرية واعتبار ما حدث هو نتيجة جولة من الجولات وليست نهايتها ولا استسلاما نهائيا لنتائج هذه الجولة وهذا تطلب اسلوبا من العمل فتم اتخاذ الاجراءات والخطوات الاستراتيجية ،من حيث العمل السياسى لكسب الوقت دون الوصول الى حل كغطاء حتى يتم إعادة واستكمال القدرة العسكرية المصرية لتكون داعمة فى الوصول لحل المشكلة وإقناع الرأى العام العالمى بأننا لا نريد الحرب من اجل الحرب وانما من اجل استعادة الارض المغتصبة بالقوة وتحقيق اهداف الشعب الفلسطيني، و الاشتراك فى اعادة بناء القوات المسلحة لتكون على اعلى درجة من الحداثة ، بجانب المساهمة فى اعداد مسرح العمليات المنتظر وما يلزم من تجهيزات لعبور القناة.

وقد بدأت مبادرات السلام الدولية والاقليمية وذلك لتأثر المجتمع الدولى بحرب يونيو67 حيث أغلقت قناة السويس وتأثرت حركة التجارة العالمية وآثارها السلبية على الاقتصاد العالمى خاصة فى مجال النفط لزيادة طول خطوط المواصلات وتعرضها للمخاطر وزيادة تكلفة الشحن مما دفعه الى إجراء محاولات كثيرة لتحقيق السلام بين الأطراف المتصارعة فأرسلت الأمم المتحدة مبعوثها الخاص جونار يارنج الذى بذل جهودا كبيرة لتقريب وجهات النظر إلا أنه فشل بسبب التعنت الإسرائيلى ولو فى إيقاف النيران وقدم عبد الناصر مبادرة ورفضت أيضا وقدمت الولايات المتحدة مقترحاتها للحل وبعثت وزير خارجيتها روجرز وظل يعمل بين فشل ونجاح حتى استطاع الوصول الى وقف إطلاق النيران أغسطس عام 70 ثم تجمد الموقف فى حالة اللاسلم واللاحرب بسبب الوفاق بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة وتراجعت قضية الشرق الاوسط للاولوية الثالثة للاهتمام الدولى مما دفع إسرائيل للاستمرار فى التعنت ورفض السلام .

كانت المفاجأة الكبرى الهجوم المصرى السورى فى وقت واحد على الجبهتين فقامت الحرب وكانت الهزيمة الكبرى للجيش الإسرائيلى الذى لا يقهر و تحرير أراض من الأراضى المحتلة فى سيناء والجولان مع تمكن إسرائيل بالدعم الأمريكى غير المحدود من عمل ثغرة على الجبهة المصرية واستعادة الجولان من سوريا,وكان حجم الخسائر الضخمة فى القوات الإسرائيلية أحدث انزعاجا مهولا للولايات المتحدة التى قامت بالإمداد المباشر لإسرائيل وعلى جبهات القتال بالمعدات والأسلحة وتعويضها عن خسائرها بل بأكثر مما تحلم وسارع هنرى كيسنجر بالحضور الى القاهرة ودمشق وتل أبيب حتى يمكن احتواء الموقف وإنقاذ إسرائيل من الهزيمة الكاملة.

تم قبول مصر وسورياالدخول فى مباحثات فك الاشتباك الاول والثانى بوساطة هنرى كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية على الجبهتين المصرية والسورية من اجل انسحاب القوات الاسرائيلية من غرب قناة السويس أى تصفية الثغرة دون قتال الى خط العريش شرم الشيخ والانسحاب من القنيطرة فى الجولان من خلال فك الاشتباك الاول فقط والدخول فى مفاوضات الحل السلمي، ولكن سوريا توقفت واستمرت مصر وعقدت معاهدة السلام مع إسرائيل فى مارس1979م وأعلن الرئيس السادات أنها آخر الحروب بين مصر واسرائيل وهذا الفكر الاستراتيجى المصرى مبنى على دراسة وعلم عقائد اليهود .

فوجئ المخطط الاستراتيجى لليهود وهم فى طريقهم للمرحلةالرابعة من إقامة الدولة اليهودية بحرب أكتوبر وانتصار العرب غير المتوقع لهم وانهزامهم فيها وكذلك بفرض معاهدة السلام عليهم وإعلان أنها آخر الحروب وهذا مخالف ومضاد لعقائدهم التى يعتنقونها منذ عهد آبائهم الكبار فالحرب وتجييش الشعب بقانون التجنيد الذى يبدأ من سن 19سنة حتى 55سنة (خدمة عاملة واحتياط)هما الوسيلة والاداة لإقامة الدولة اليهودية وهنا تأتى الهزة الكبيرة والشديدة داخل المجتمع الاسرائيلى حيث ثورة الشباب المتدين الاصولى التلمودى على استمرار التجنيد والتى يحاولون علاجها حتى الآن ، بادعائهم النصر على العرب وهذا مخالف فإن فرض الارادة هى وثيقة النصر ولكن الانسحاب مما رفضوا تنفيذه عشر سنوات دليل على الهزيمة.، وان ما حدث للعرب من اتحاد كما حدث فى اكتوبر لن يحدث مرة اخري،بالاضافة الى تنفيذ مشروع الشرق الاوسط الجديد بالحرب بالوكالة وليس بجيش الدفاع الاسرائيلي.

وقام اليهود بتطوير فكرهم الاستراتيجى فى محاولة لتحقيق المرحلة الرابعة بالاتفاق مع الغرب على اساس الحرب بالوكالة (التنظيمات الارهابية الانقسامات فى الجيوش العربية) والعمل على تفتيت العرب الى اصغر قدر ممكن وانتهجوا مشروع الشرق الاوسط الجديد طريقا لذلك وبدأ بالفتنة العراقية الكويتية عام 1990م وتم تقسيم العراق وضياع جيشه ثم بالربيع العربى الذى بدأ اوخر عام2010 والذى أضر بدول عربية ذات ثقل مثل سوريا .ا

وحتى الآن يقف العرب صامدين فى مواجهة هذا الفكر مع تحديث فكرهم الاستراتيجى بتكوين قوات عربية وقيادات عربية مشتركة لمواجهة المواقف الطارئة ومازالوا يحاولون الاتحاد فى المواقف السياسية لدرء الاخطار ومازال الصراع مستمرا

اللواء محمد الغباري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *