الخميس, فبراير 20, 2020
الرئيسيةنظرةتقاريرطهران الرابح الأكبر في سجالها مع واشنطن
تقاريرمقالات

طهران الرابح الأكبر في سجالها مع واشنطن

كتب أحمد طارق

رغم التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران والتلويح باستخدام القوة وفرض العقوبات، والتصعيد باستخدام الآلة العسكرية، إلا أن الصراع بين المعسكرين لا يعدو عن مخالفة مرورية استدعت من السائقين التحازي لتبادل بعض السباب ثم المضي قدمًا كل في طريقه.
الملفت للانتباه أنه يبدو مما يجري أن طهران ستنجح في تعزيز نظامها الحالي في إيران، فيما ستفشل كل المحاولات الاستخباراتية والاستعانة بقوى معارضة النظام الشيعي إلى التأثير على المرشد الأعلى أو رئيس جمهورية إيران، بل على العكس سيسمح هذا السجال إلى تحقيق ضمانات له بالاستمرار لما يناهز العقد من الزمن.
استمرار التهديد العقائدي الشيعي لحلفاء إيران في دول منطقة الشرق الأوسط، بمثابة فرصة استثمارية كبيرة لمتعاقدي الأسلحة الحكوميين ومن القطاع الخاص للغرب، وخسارته بتوجيه ضربة قاسمة للمد الشيعي وعاصمته طهران لن يكون ولن يسمح بالتفكير فيه فيما يتعدى التراشق اللفظي؛ ولذلك ستحصد إيران مكاسبها من التوترات الحالية في عدة جوانب…

طهران الرابح الأكبر في سياسات الوكيل:

نجح نظام ظهران خلال العقود الماضية على استخدام دعم وكلاء لتحقيق مصالحها في العديد من دول الشرق الأوسط، ظهروا بقوة على أصعدة مختلفة منهم حزب الله، وجماعة الحوثيين، وغيرها من قوى سياسية مناوئة للسلطات الرسمية في البلدان العربية.
وتختلف جذريًا المحاولات الأمريكية للوكالة عن مصالحها في عقد التحالفات في تلك الدول عن التجربة الإيرانية على صعيدين: أولهما أن طهران تعمد على ترسيخ العقيدة الشيعية لدى وكالها ليضفي مشروعية العمل العقائدي والبنى الفوقية لمحفزات كل سلوك مبني على المصلحة مع المرشد الأعلى والنظام الشيعي، بوصف إيران هي الدولة الشيعية وأن ثورتها الإسلامية نموذج نجاح تصبو إليه تلك الجماعات والقوى
وثانيهما أن تحالفات إيران مع وكلائها ممتدة وطويلة الأجل استمرت لعقود في الدول العربية، من خلال تقديم سبل الدعم لتصبح تلك القوى شرعية من خلال الأنظمة العلنية والمعترف بها في دولها (كنموذج حزب الله في لبنان)، أو قوى في ميزان الدولة وقد تستقوي على الدولة عبر الشكل الراديكالي والثوري (كنموذج مليشيات الحوثي في اليمن)، أو من خلال شكل أكثر نعومة للانغماس في تربة المجتمع (كنموذج البحرين، والسعودية ومصر) فلا يمكن معرفة عموده الفقري.
وعلى الجانب الآخر فشلت واشنطن في محاولاتها فيما نجحت فيه طهران، لاعتمادها على شكل المصلحة الصريح لاختلاف العقائد ومحاولة فرض أجندتها على القوى بفعل الترغيب والتحريض على ممارسات بعينها لا تصب في صالح العم سام.

القارة العجوز تتوسط رغبة في النفط الإيراني:
نجح نظام طهران بتحقيق المعادلة الصعبة في سجالها الحالي مع البيت الأبيض، عبر وساطة أوروبا في تفاهم يعود بموجبه الإيرانيون إلى الامتثال لشروط الاتفاق النووي ويساهمون في تهدئة الوضع في المنطقة مقابل إعادة البيت الأبيض الإعفاءات التي أبطلتها أبريل الماضي.
ورغم أن تلك الوساطة لم تؤت ثمارها حتى اللحظة، إلا أن واشنطن لا تزال لا تملك جوابًا فعليًا للضغوط القصوى الإيرانية، كما أنها لا ترغب في الصراع.
وبدى الأمر جليًا عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أنه غير مهتم بتغيير النظام في إيران بل فقط بـ”عدم وجود أسلحة نووية”؛ بوصفه الوحيد والفعلي في تقديم أداء أفضل من باراك أوباما.
وبذلك يتحول السجال الدائر الآن ليصب في صالح طهران بالحصول على أقصى استفادة مما سينتهي إليه الأمر بشرعنة موقفها الدولي، وتقليص عدد من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها أو على الأقل تحسن من أوضاعها الاقتصادية في علاقاتها التجارية وتحسين عائدات تصدير النفط إلى أوروبا التي يجب أن تحافظ على مصادرها النفطية.

فرصة تحقيق شئ ما في ولاية ترامب الحرجة:
تواجه إيران سياسة “الضغط الأقصى” التي تنتهجها إدارة ترامب من خلال ممارسة ضغوط قصوى على الرئيس الأمريكي نفسه، فيما يعد تقليص الوقت للوصول إلى قدرة اختراق العتبة النووية – والتشديد على عدم قدرة إدارة ترامب على منعها – إحدى الوسائل المتبعة من قبل طهرانلزيادة الضغوط.
وترفع طهران عتبة أعمالها التهديدية في المنطقة. إذ يتم استهداف المطارات المدنية وخطوط أنابيب النفط ومحطات ضخ النفط السعودية كل بضعة أيام من قبل الحوثيين انطلاقاً من اليمن بواسطة طائرات بدون طيار وصواريخ مزوّدة من إيران؛ وقد تمّ تخريب ست سفن في حادثتين مختلفتين بواسطة ألغام مغناطيسية جنوبي مضيق هرمز؛ كما تمّ ضرب قواعد في العراق تتواجد فيها قوات أمريكية بصواريخ أطلقتها ميليشيات شيعية مسلحة ومدربة من قبل الإيرانيين؛
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة الأحداث بين واشنطن وطهران، وينعكس بشكل مباشر على منطقة الشرق الأوسط، والعالم، إلا أنه يمر بشكل بطيء على دونالد ترامب الذي يعد ملف نجاحات يسوقها إلى الناخب الأمريكي لينال تجديد ثقته خلال الانتخابات الرئاسية والمنافسة على ولاية ثانية خلال عام 2020 الذي يقترب بسرعة.
ترامب الذي بدى كرجال الكاوبوي الأمريكي في دعايته الانتخابية مهددًا رئيس كوريا الشمالية ومتبادلًا التراشق معه حول القدرات النووية للبلدين، سعى عقب ذلك إلى الجلوس معه مؤخرًا في أحد الكافتيريات كأصدقاء في شكل من التفاوض الحميم.
ورجل الأعمال ترامب هو الشخص الذي تحكمه حسابات المصلحة والمكسب، كمدخل لتحديد سياساته واستراتجياته حيال القضايا المختلفة.

الحراسة في رقعة الشطرنج الفارسي:

ربما يكون الحديث عن “حرب عسكرية” بين الولايات المتحدة وجمهورية إيران أمر مستبعد تمامًا من النواحي الاستراتيجية، حيث أن النظام الإيراني نجح خلال العقود على استغلال بيادق رقعة الشطرنج لتأمين فرصه في البقاء.. فعلى المستوى الأوسع فحلفاء إيران (روسيا والصين) لن يسمحا بضربة عسكرية موجعة لحليفتهم القوية، وعلى النطاق الفردي فعشرات القوى والمليشيات في شتى دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تنتمي عقائديًا لدين طهران.
أما على المستوى الجغرافي فلا يوجد أرض ستتسع لساحة المعركة بين القوى الإيرانية التي لم تشارك في حرب نظامية تٌكسبها أي ميزة عسكرية في معركة لن تقام، فيما تقتصر قدراتها العسكرية على آلة الحرب الشرقية، ويختزل تاريخ نظامها الحالي على تأهيل مليشيات عسكرية على تحقيق أهداف الاستخبارات العسكرية وتنفيذ العمليات الخاطفة وقصيرة المدى.
بينما في المقابل لن تستطيع بلاد العم سام أن تغامر بالوصول إلى أرض فارس في تحد للمثلث الشرقي (روسيا والصين وإيران) أو تراهن على خسائر ستنعكس بشكل مباشر وسلبي على ماكينة الانتخابات الرئاسية الحاسمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *