الإثنين, سبتمبر 28, 2020
الرئيسيةنظرةمقالاتجريمة الحياد أمام نصرة الوطن
مقالات

جريمة الحياد أمام نصرة الوطن

كتب أحمد طارق

ينخدع أجيال من المهنيين الشرفاء في مجال الإعلام بإساءة استخدام الحياد كقيمة مهنية في العمل، أمام عدد من القضايا العامة التي قد يتناولونها أو لا يتناولونها في عملهم، ليصبح الحياد السلبي سيد الموقف وعدم المشاركة الإيجابية في تناول وجهات نظر التي تحقق ما هو “معلوم بالضرورة” باستحقاقات النشر والنقل إلى العالم وتبسيطه.
السنوات التي أخرجت فيها شبكة “الجزيرة” لقاءات مع قيادات تنظيم القاعدة والمسئولين الإسرائيليين، وما أعقبها مع التنظيمات الإرهابية الأخرى، لإدعاء المهنية ومنح كل الأطراف فرصة للتعبير قيمة أفسدت الممارسات الصحفية، ليصبح عشرات من العاملين في الإعلام حاليًا لا يزالوا يعتقدوا أن تلك هي الممارسة الأمثل، بينما واقع الأمر أن ذلك هو النموذج الذي روج للإرهاب والتطرف ومنحه بوقًا ليصل إلى كل بيت عربي.
واليوم فيما تشهده مصر، ووضوح ما يحاك ضدها لا تزال نماذج صحفية تهرب من ممارسة دور وطني بدعوى أنها تمارس دور مهني.. بيد أن الوطنية والمهنية منحاهم واحد، ذلك إذا أعملنا العقل في إعادة النظر في القيم المهنية واستخدمناها بوضع الجمهور (المواطن) واحتياجاته في المعادلة، وليس فقط اعتبارات المجد الصحفي.

صناعة الوهم:

مبعث ذلك الوهم وتأثيره بممارسة الحياد السلبي تجاه قضايا الوطن، يأتي بعد سنوات طويلة تمتد من قبل 2011، حينما استقى تلك القيمة بكتالوجها الأجنبي عبر عشرات الدورات التدريبية التي قدمتها الجهات المانحة لمئات الصحفيين في مختلف الوسائل الإعلامية.
إن ترجمة قيمة “الحياد” في العمل والوقوف على مسافة واحدة من مختلف القوى والاتجاهات للتعامل مع ما يمكن أن يتحول إلى منتج إعلامي، مسألة في غاية الأهمية ولها أثر السحر على مصداقية الصحفي ومؤسسته، ولكن استخدام تلك القيمة وتعطيل العقل النقدي والوعي بتقييم الأحداث الوطنية الكبيرة التي تمس وطن الصحفي لممارسة عمله تؤدي في النهاية إلى تقديم رسالة ملتبسة وغير موضوعية للجمهور من المواطنين لها الأثر الأكبر في السحب من مصداقية الرسائل الإعلامية وعدم إشباع ما يبتغيه الجمهور من معرفة تحقق عنصر “القرب”، وتمس “المصلحة” الخاصة به كقيم أصيلة أخرى تتعلق بالعمل الصحفي.
والدليل على أن كثير من تلك الدورات يخضع لأجندة لا يستقيم استخدامها حاليًا مع الوضع المصري، هو استخدام جهة مانحة ومعروفة لدى جميع العاملين في الحقل الإعلامي بالتدريب على معايير “الصحافة الاستقصائية”، والتي تشحن سنويًا طائرتين محملتين بالصحفيين المصريين من مختلف المؤسسات لحضور لقاءها السنوي، تؤهل العقل النقدي على تحسين استخدام مهاراته للقضايا السلبية فقط والإشارة الطفيفة إلى أن الاستقصاء قد يمس الإيجابيات أيضًا.
والنتيجة النهائية أن كل الخاضعين لهذا المحتوى لم ينجحوا في إنتاج أي تقارير إيجابية عن أي موضوع صحفي، بينما يحوي القسم المصري التابع للمنظمة المانحة مئات من التحقيقات السلبية أكثر من أي دولة عربية أخرى، وكأن الصحفي المصري لا يرى سوى ما استخدمته المنظمة من فلاتر سلبية فقط.
وانعكس ذلك على تعامل الصحفيين والإعلاميين مؤخرًا في نقل تغطيات وأخبار التنمية الاقتصادية والإصلاح الاقتصادي بشكل فاتر دون عمق أو تحليل، أو حتى تبسيط لقدرة المواطن على ربطه بمصالحه الشخصية والقرب من اهتماماته اليومية.

ختامًا.. تلك الجدلية الفلسفية قابلة للنقاش بذكر النماذج التي مارست الحياد الكامل (إن تحقق)، وذلك وفق تجربة المجتمع المخاطب من الرسائل الإعلامية والتغطيات، وأن نضع في الاعتبار أن مصر حاليًا تنهض وهناك من يطعنها وإن تمكن من بغيته لن تتمكن أنت من ممارسة عملك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *