الخميس, أكتوبر 29, 2020
الرئيسيةنظرةتقاريراللواء احمد عفيفي …دراسة تحليلية كيف تدير أمريكا استراتجيتها لمواجهة الإرهاب
تقاريرعاجللا للإرهاب

اللواء احمد عفيفي …دراسة تحليلية كيف تدير أمريكا استراتجيتها لمواجهة الإرهاب

قراءة فى رؤية الادارة الأمريكية لمكافحة الارهاب فى
ضوء اعلان الاستراتيجية القومية لمكافحة الارهاب2018
National Strategy for counter terrorism of the United States of America 2018
اللواء احمد عفيفي الخبير الامنى يكتب
مضى عام منذ أن أعلنت ادارة الرئيس الأمريكى / دوناد ترامب فى الرابع من اكتوبر 2018 استراتيجيتها القومية لمكافحة الارهاب وكان البيت الأبيض قد اعلن أن هذه الاستراتيجية تعد أول استراتيجية مفصلة بالكامل لمكافحة الارهاب منذ تلك التى أصدرتها ادارة الرئيس / أوباما فى 2011…. كما انها ـ وفقا للبيان ـ توفر ( التوجيه الاستراتيجى ) الضرورى لحماية المصالح والأمن القومى الأمريكى من كافة التهديدات الارهابية وستعزز من مرونة توقع التهديدات الجديدة ومنعها والرد عليها .
تضمنت الاستراتيجية عددا من المحاور تشكل الخطة العامة للادارة الأمريكية لمواجهة الارهاب منها ملاحقة الارهابيين بدولهم الأصلية باستخدام القدرات العسكرية وغير العسكرية وعزل الارهابيين عن مصادر دعمهم من خلال توفير المعلومات عن حركة الارهابيين وهوياتهم وتبادلها مع الداخل( المؤسسات الأمريكية العامة والخاصة) ومع الخارج ( الشركاء الأجانب ) والعمل على تحديث أدوات القوة الأمريكية العسكرية وغير العسكرية لمكافحة الارهاب وتعزيز اجراءات حماية الداخل الأمريكى ومكافحة عمليات تجنيد العناصر الارهابية باتخاذ اجراءات للحد من قدرة التنظيمات الارهابية على التجنيد عبر الانترنت ونشر الفكر المتطرف … وتعزيز قدرة الشركاء الدوليين لمكافحة الارهاب .
ورغم ان الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لم تختلف عن سابقتها فى كثير، الا أن التغير الهام هذه المرة كان في تحديدها انها تحارب (ايديولوجية اسلامية راديكالية متطرفة) وهو ماتجنبته سالفتها فى توصيف التهديدات الارهابية التى تواجهها الولايات المتحدة ، بالاضافة الى تبنى سياسة أكثر تشددا تجاه ايران لدورها الذى يهدف لتقويض استقرار منطقة الشرق الأوسط ودعمها للمليشيات المسلحة ولازال التوتر الأمريكى الايرانى متارجحا بين التصعيد والتهدئة حتى الآن ولا تبدو حتى الآن ملامح تحسم جدوى هذه السياسة فى كبح جماح ايران وتحجيمها فى ظل قدرة النظام الايرانى على الصبروالتحمل وامتلاكة القدرة على التهديد الفعلى للمصالح الأمريكية فى المنطقة والتهديد المباشر لحلفائها.
واقع الأمر ان الادارات الأمريكية منذ ادارة الرئيس بوش الابن وحتى الادارة الحالية دائما ماتفتقد الرؤية الشاملة لمكونات ملف الارهاب الأصولى الاسلامى وتعجز ادوات التحليل والربط لديها عن فهم المراحل التى تمر بها الايديولوجيا المتطرفة داخل التنظيم الارهابى لتتحول الى عمليات عنف ، وتعجز عن الالمام بمجموع العوامل الفكرية والتنظيمية داخل الجماعات المتطرفة وكيمياء تفاعلها التى تحول الأفكار الى أعمال ارهابية ، وبالتالى نجدها تعانى دائما من ضعف مستوى التوقع ومحدودية قدرات الاجهاض للتحركات الارهابية أو مايسمى أمنيا ضعف مستوى الاختراق والتنبوء وليس أدل على ذلك من تصريح الادارة الأمريكية بعد مقتل زعيم تنظيم القاعدة السابق اسامة بن لادن عن انتهاء خطر التنظيمات الارهابية بعد أن أصبح تنظيم القاعدة لا يمثل تهديدا للولايات المتحدة والأمن العالمى وهو الذى تولد عنه تنظيم داعش بعد ذلك والذى كان صعوده فى العراق وسوريا نتيجة اخفاق ادارة جورج بوش الابن وعجز التخطيط الاستراتيجى لديها فى حساب تداعيات تمرد المناطق السنية بالعراق مما ادى الى تحول التنظيم الى شبه دولة مما اصاب المخططين الاستراتيجيين الامريكيين بصدمة كبيرة رغم تكرار نفس الاخطاء التى كانت وراء وجود تنظيم القاعدة والذى تعاونت المخابرات الأمريكية مع جماعة الاخوان للدفع بالاف المجاهدين لافغانستان ودعمهم بالمال والسلاح والتدريب لقتال السوفييت فيما سمى فى هذا الوقت بعملية الاعصار.
وتظل تلك الادارات أسيرة نمط تفكير أحادى يقيم الأوضاع وفق تصوراته وفى حدود مصالحه فقط ويقتصر مفهوم التعاون مع الشركاء الأجانب – على حد وصف الاستراتيجية – فى حدود جمع المعلومات لزيادة فاعلية اجراءات التأمين أو اجهاض التحركات الارهابية أو تفعيل دور اجهزة وادوات الشريك فى المواجهة بما يحقق رؤيتها الاستراتيجية …. وكان من نتيجة ذلك أن هذه الاستراتيجيات “تحت شعار مكافحة الارهاب ” دائما ماتبنت أساليب للمواجهة شكلت فى حد ذاتها أحد العوامل الهامة لتنامى ظاهرة الارهاب واتساع نطاقها النوعى والجغرافى… بل ولا مبالغة فى أن نقرر أن تعامل الادارات الأمريكية مع الملف دائما ما يكونمن زاوية رعاية مصالحها وهو ما يعكس رؤية محدودة وضعف مستوى تقييم المخاطر وحسابات صراع الايدلوجيات ، ورؤية قاصرة النظر توظف حركة النشاط المتطرف وتوجه بوصلته لتحقيق تلك المصالح دون ان تستطيع بدقة حساب الخسائر والأضرار التى تلحق بالمصالح الأمريكية نفسها بعد أن تخرج حركة النشاط الارهابى عن حدود السيطرة وتسير عكس ما تم تخطيطه والدليل ماثل الآن فى الأوضاع القائمة والتى تمثل بالنسبة للادارة الامريكية النتائج العكسية بالمعنى الكامل لكل مستهدفات السياسات السابقة خاصة مايتصل بمواجهة الارهاب، وبالرغم من ذلك تستمر فى بناء استراتيجيتها بنفس الأسلوب لمواجهة مستجدات الظاهرة وتطورها دون ادراك لمدى مسئوليتها عما آلت اليه الأوضاع نتيجة لتبنى استراتيجية توظيف الارهاب مقابل استراتيجية مكافحةالارهاب حيث لم تتخلى الولايات المتحدة عن الاولى منذ خمسينيات القرن الماضى ولم تتوقف عن دعم الجماعات الارهابية سياسيا وماديا رغم الموقف المغاير الذى ابداه ترامب واقتراحه لحل جذرى للقضاء على داعش من خلال قطع رؤس عناصر التنظيم وقتل عائلاتهم كما لم تتوقف عن السياسة المتشددة تجاه اللاجئين الفارين من بلادهم نتيجة الحروب الأهلية والاقتتال الداخلى وموقفها من المسلمين الامريكيين .
فى المقابل وبالنظر الى الأبعاد الكلية لحركة النشاط المتطرف والمجال الذى تتم داخله كافة تحركات التنظيمات الارهابية وتتعدد فيه الاتجاهات يتضح مدى ابتعاد مسارات التعاون الدولى فى مجال المكافحة ــ ليس فقط على المستوى الأمنى رغم أنه يكاد يكون المستوى الوحيد -عن التعامل الفعال وفق رؤية متكاملة الأركان ومحددة لأليات التنسيق والتى لاتتوافر دون التخطيط المشترك كون المواجهة دولية ولاجدوى من المواجهة الفردية وعدم اغفال اعتبارات الأمن القومى للشركاء وهو مايفرض علينا فى هذه الحالة ان تتم صياغة الاستراتيجية الوطنية فى المكافحة على هذا الأساس والاهتمام بالارتقاء بمستوى تبادل المعلومات وتفعيل مبادرة “أكواد” لتتبع مبيعات الأسلحة وتنسيق الجهود المشتركة لقطع مصادر التمويل ، وفى المقابل يتم بلورة دور ـ غير رسمى ـ لمؤسساتنا الدينية والثقافية ووسائل الاعلام لمواجهة الفكر المتطرف بالفكر المعتدل و تحجيم عمليات التجنيد التى تتم من خلال الانترنت ، وهذا هو احد محاور الاستراتيجية الامريكية فى مواجهة الارهاب وان كان يمكن تفسيره وفقا لمقصد الادارة الامريكية من ناحية زيادة فاعلية التحجيم التكنولوجى “السيطرة على الوسائل ” وليس المجابهة على مستوى المحتوى الفكرى على النحو الذى تستطيعه مؤسساتنا الفكرية على تنوعها.
ولكن من جانب اخر فان اتجاه الاستراتيجية الأمريكية الى تعزيز قدرات شركاء الولايات المتحدة الدوليين لمكافحة الارهاب كأحد محاورها تحت شعار ” أمريكا أولا ” يجعل كل صور التعاون غير واقعية وضعيفة الفاعلية سواء على المستوى السياسى أو المستوى الأمنى فلكل شريك اعتبارات الأمن القومى الخاصة به وسيتخذ ما يراه مناسبا فى حدود قدراته وأوضاعه للتعاون فى هذا الملف وهنا تبدو اهمية دراسة هذا المحور عند صياغة الاستراتيجية الوطنية وهو الدور الذى يجب أن تتصدى له مراكز التفكير والدراسات السياسية والاستراتيجية والأمنية للقيام ضمن منظومة متكاملة بعملية شاملة لتصحيح الرؤيا ومخاطبة الشركاء لتصحيح المفاهيم لدى الرأى العام الغربى والتأثير على مراكز التفكير ودوائر اتخاذ القرار وتثمين دور المجابهة الفكرية الذى نمتلك محتواه وأدواته على نفس قدر أهمية التعاون العسكرى والأمنى فى مواجهة الارهاب مع الوضع فى الاعتبار أن جانبا معتبرا من رؤية الخارج تتشكل على ضوء المعلومات المستقاه من داخل فصائل الاسلام السياسى نفسه سواء من خلال قنوات الاتصال مع جماعة الاخوان المسلمين والتى تبرع فى تصدير التصورات التى توافق مصالحها أومن خلال مصادر المعلومات من داخل جماعات العنف المسلح وفى الحالتين فان خلل فى قدرات التحليل لدى مراكز التفكير ودوائر القرار الأمريكية غالبا ما يؤدى الى ترجمة خاطئة ورؤية تحتاج مزيد من الواقعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *