الثلاثاء, فبراير 25, 2020
الرئيسيةنظرةتقاريرروؤية تحليلية … الأمن القومى واستراتيجيات الردع
تقاريرلا للإرهاب

روؤية تحليلية … الأمن القومى واستراتيجيات الردع

كتب اللواء احمد عفيفى الخبير الأمني والمتخصص في حركات الإسلام السياسي في العالم العربي وعضو الهيئة الاستشارية بمركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية
لاشك أن ماتشهده المنطقة فى الوقت الحالى من تطورات شديدة الأهمية تشيرالى اننا نسير فى اتجاه
“إعادة هيكلة” ثالثة لإقليم الشرق الأوسط وفقا للمخطط التاريخى للتقسيم الذى تعود بدايتة إلى أكثر من مئة عام مضت، وتحديدًا عام 1916، عندما تقاسمت كل من بريطانيا وفرنسا إرث الدولة العثمانية «الرجل المريض»، عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، ثم كانت مؤامرة «سايكس بيكو» ،وكانت المحاولة الثانية عام 1957، فيما عرف بـ«مبدأ أيزنهاور»، والذى كان يقضى بأحقية الولايات المتحدة فى التدخل لصالح أى دولة فى الشرق الأوسط تعانى من تهديدات المعسكر الشيوعى، ليأتى بعد ذلك برناردلويس فى ثمانينيات القرن الماضى ويضع مخطط الشرق الأوسط الكبير لتقسيم الدول العربية إلى دويلات وأقاليم على خلفيات دينية وعرقية ، وفي مثل هذه الأوضاع يحتل الاهتمام باستخدامات القوة أولوية لدى كل دول المنطقة ، خاصة وأن كل دولة تعلم حجم التهديدات التى تحيق بامنها القومى وتستطيع تقدير الوقت الذى ستضطر خلاله الى اتخاذ القرار الصعب لحماية مصلحة حيوية تتعرض لتهديد من طرف عدائى لابديل لردعه “بالقوة”، ووفقا لأبجديات حماية الأمن القومى فذلك أمرلا يحتمل تأجيل التفكير فيه إلى حين وقوعه، وانما يجب التفكير في منعه من الأساس وذلك من خلال القدرة على الردع ، وقد عرَّف السيد (أمين الهويدى) فى كتابه الصراع العربى الإسرائيلى بين الرادع التقليدى والرادع النووى الردع بأنه (منع الأطراف من اللجوء إلى القوة أو فن عدم استخدام القوة بالرغم من وجودها أو هو فن تجنب القتال) .
ودائما مايرتبط مفهوم الردع بالقوة العسكرية واستخداماتها لتحقيق اهداف عجزت الوسائل السياسية عن تحقيقها وهنا يكون الردع عسكرى تجاه تهديد عسكرى ايضا … وفى الأساس هو عملية نفسية تستهدف السياسيين من صانعى القرار أطراف الأزمة القائمة ، ووفقا لتعريف “بول هاث وبروس” ــ وهما من أبرز المحللين الاستراتيجيين الأمريكيين ــ فأن الردع هو” محاولة من صانعى القرار فى دولة ما لاجبارصانعى القرارفى دولة اخرى على التجاوب مع مطالب ومصالح الأولى ” وهنا نجد أن الردع أصبح لغة حوار فى حد ذاته وادارة صراع بين ارادات الخصوم يهدف كل منهم منع الآخر من عمل لايرتضيه وهو مانراه تطبيقا واقعا الان بين دول منطقة شرق المتوسط .
ولكن السؤال .. لماذا الحديث الآن عن مفاهيم الردع ولماذا نعيد التفكير فيها كأحد الضرورات التى يتتطلبها الأمن القومى ؟.. والاجابة ببساطة أن الظرف الاستراتيجى الحاكم لطبيعة المرحلة هو الذى يستدعى ذلك التفكير ويدفع باستراتيجيات الردع الى مقدمة ضرورات الامن القومى فى هذا الوقت الذى غلبت فيه الاستخدامات المباشرة والسريعة للقوة، واستفحلت ظاهرة الارهاب وانتشر العنف على نحو يدفع باطراف الصراع دفعا نحو خيارالحرب ، وهو خيار يصعب التكهن بمداه ، واذا كان فى امكان أى من أطراف الصراع أن يتخذ قرار الحرب ،فمن المؤكد أن لا أحد يستطيع التكهن بنهايتها أو التحكم فى مداها ونطاقها ،فالصراع معقد ومتعدد الطبقات ، والمصالح تتلاقى قليلا وستختلف كثيرا ،وسباق التسلح يتسارع والتحالفات الدولية صارت أضعف ارتباطا وأقل ثباتا من أن تحقق المعادلات الأمنية المطلوبة لتحقيق الاستقرار فى المنطقة ، ولذا فقد اصبحنا أمام أزمة فى ادارة الأزمة ولم يعد الردع ــ وفقا للمفهوم التقليدى ــ يتحقق عند حد التهديد باستخدام القوة ، وانما تخطى ذلك الى ضرورة الاستخدام الجزئى للقوة حتى تحقق نظرية الردع اثرها المطلوب فى الخصم وترتفع احتمالات الانزلاق فى حرب شاملة .
المشكلة أن جميع الاحتمالات مفتوحة وسيناريوهات استخدام القوة متعددة لأن الأمر لم يعد قاصرا على تقدير قياس توجهات القادة السياسيين كما كان من قبل ،فقرار الحرب الأن ربما يتسبب فيه قادة من نوعية أردوغان رئيس تركيا أسير أوهام الخلافة والزعامة ورهين مخططات جماعة الاخوان المسلمين تسخدمه ويستخدمها ومدفوع باطماع انتهاب ثروات المنطقة ، والاقتسام غيرالشرعى لغاز المتوسط الثروة الواعدة ،كما تؤثر فيه الكيانات دون الدول مثل حزب الله اللبنانى الذى نجح فى اعتماد استراتيجية ردع متبادل تجاه اسرائيل ، والحرس الثورى الايرانى وقوات الحشد الشعبى العراقى التى تحاول الولايات المتحدة الامريكية استعادة قدرتها على الردع تجاههما ، والتنظيمات الارهابية وهذه تحديدا يصعب ان يكون لاستراتيجيات الردع جدوى أو تأثيرحيالها بحكم التكوين العقدى والنفسى لها وهو مايحتم خيار الاستخدام المفرط للقوة لوقفها، …. اذن فاستراتيجيات الردع دائما ماتكون محدودة الأثر فى منع تلك النوعية من الحروب اللامتماثلة .
من هنا تتبدى الاهمية الاستثنائية لدور استراتيجيات الردع بمفهومها الجديد فى دعم أمننا القومى بعد تراجع النظرية خلال فترات سابقة ، ذلك أن الموقف العدائى لنظام حزب العدالة والتنمية فى تركيا قد بلغ الأن ذروته منذ أن بدأ عقب سقوط الرهان على تمكين جماعة الاخوان المسلمين فى 2013 ودعم مسعاها لاحتكار الدولة المصرية فى اطار استخدام التنظيم الاخوانى لتحقيق المشروع العثمانى الجديد فى المنطقة واستعادة الارث الغابر واتخذ شكل حملات سياسية واعلامية ممنهجة ضد مصر والنظام السياسى بها ووصل حاليا الى محاولة اختراق المجال الحيوى وتهديد المصالح والأمن القومى من خلال صناعة الأزمة وتصعيدها لتفجير الأوضاع بشرق المتوسط بعد توطيد ارتكاز ثابت لها بليبيا تموله من حاصل نهب النفط والغاز .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *