الخميس, يوليو 2, 2020
الرئيسيةلا للإرهابدستور التكفير بين رؤية حسن البنا والسيد قطب لاسلام الغير
لا للإرهابمقالات

دستور التكفير بين رؤية حسن البنا والسيد قطب لاسلام الغير

قال اللواء أحمد عفيفي الخبير الأمني والمتخصص في حركات الإسلام السياسي في العالم العربي وعضو الهيئة الاستشارية بمركز القاهرة للدراسات الاستراتيجيةأن
” الغير” …. كثيرا ماورد ذلك الوصف فى أدبيات الاخوان المسلمين للاشارة الى كل من هو ليس من أعضاء الجماعة فعلماء المسلمين من غير علماء الجماعة هم علماء الغير وكل كتاب او منتج فكرى لم تقره الجماعة لاعضاءها هى كتب واراء وفتاوى الغير … والغير بصفة عامة هم المسلمون من غير الاخوان …. هذا الاستعلاء الدينى الذى لازم الجماعة منذ نشأتها طوال العقود الماضية والذى لم يعد فى الامكان اخفاؤه بعد وصول الجماعة للحكم فى 2012 و تبدا واضحا فى كثير من المواقف والممارسات وفى تصريحات قيادييها مرات عديده انما وضع اساسه حسن البنا وهو يكون جماعته وزرعه فى منهج تربية الاخوان وفى تشكيل فكرهم كاصحاب حصريين للدعوة لصحيح الاسلام واصحاب الفكرة الانقى والاشمل والمنهج الوحيد الصحيح و الامر معقود لهم والامل معقود عليهم لانقاذ الامة الاسلامية واعداد شعوبها لتحيا تحت حكم الدولة الاسلامية وفقا لمشروع البنا ورؤيته … ولعل اهم أقواله المعروفة التى تعد مفتاحا لفهم نظرته لاسلام المجتمع هى
” أحب أن أصارحكم، إن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم الكثير من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات، أما الآن فلا زلتم مجهولين ولا زلتم تمهدون للدعوة وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم” .

نقف هنا عند عدة حقائق مقررة واضحة لاتحتمل التأويل
ــ البنا يرى الشعب المصرى جاهل بالاسلام وكذلك سائر الشعوب الاسلامية
ــ وأن علماء المسلمين (الرسميين) على فهم خاطيء للدين منكرون للجهاد فى سبيله
ــ كل انظمة الحكم وجميع الحكومات تحارب صحيح الدين وتقف فى وجه نشر دعوة الاسلام ( كما يراه البنا )
ـ لم يذكر ماهو عليه حال عقيدة المسلمين التى يرى فسادها وبعدها عن صحيح الدين ولا كيف هو فهم العلماء الرسميين للدين ، فالجميع حكاما وشعوبا ورجال دين على جهل بحقيقة الدين الاسلامى .
وفقا لهذه الرؤية لاسلام الغير التى أوردها البنا فى رسائله أسس شيوخ الجماعة ومنظريها فى حياته ومن بعد رحيله شروحهم المتعددة التى مهدت الاساس الفكرى لظهور مبدأ التكفير لنقف عند بداية الانتقال الحقيقى بهذه الرؤية من الاطار النظرى الجامع لشروط التكفير الذى وضعه البنا ومن صياغة التعميم التى يتسم بها كل مايصدرعن الجماعة من اراء ومواقف الى التكفير الصريح والتوصيف المحدد بالجاهلية فى ماورد بكتابات سيد قطب ـ واذا ماعدنا لغالبية كتب ومراجع الاخوان لوجدنا أن عمادى الفكر الاخوانى على مر تاريخ الحركة داخليا وخارجيا هما رسائل حسن البنا وفكر سيد قطب .
ربما تبدو مسألة التكفير لأول وهلة غير واضحة بشكل مباشر وصريح فى مكونات فكر البنا فهو يقرر فى رسالة التعاليم ــ الأصول العشرين ـ الأصل قبل الأخير ما يلى ” ولانكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما،أدى الفرائض ـ برأى أو بمعصية ـ الا أن أقر بكلمة الكفر أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة أو كذب صريح القرآن ، أو فسره على وجه لاتحتمله اساليب اللغة العربية بحال أو عمل عملا لايتحمل تأويلا غير الكفر ” … ولكنه بهذا الرأى ـ ودون شك ـ أوجد البيئة الحاضنة لذلك الفكر بعد ذلك ووضع له الاساس ، ولذا ففى كتابه الشهير ” معالم على الطريق ” نجد سيد قطب يقرر ” ان العالم اليوم فى جاهلية كالجاهلية التى عاصرها الاسلام أو أظلم .. وكل ماحولنا جاهلية ” فهل انبنى رأى قطب على فكر البنا ورأيه فى هذه المسألة ؟ هل رأى قطب هو تخصيص للعام وتوضيح للمبهم فيما ورد بقاعدة البنا فى مسألة التكفير ؟ هل هو انزال للشروط على الواقع ؟ …ففيما يتعلق بهذة المسألة تحديدا مسالة التكفير كان رأى البنا وما اتصف به من تعميم وتعدد ابواب التخريجات وتبديل الاراء وفق المواقف هو الأساس الذى انبنى عليه رأى قطب بجاهلية المجتمع … فالبنا لايكفر مسلما نطق بالشهادتين ـ ولاخلاف فى ذلك ، ثم أضاف ” وعمل بمقتضاهما “.. بهذه الاضافة احتكر لنفسه وللجماعة بشكل غير مباشر تحديد صلاحية ومطابقة العمل للنطق بالشهادتين فهو لم يرجع الأمر فى ذلك لأحد ولا حتى للمؤسسات الدينية الرسمية القائمة ببلاد الاسلام ولم يسنده لنفسه ولجماعته صراحة ولكن بطبيعة الحال صاحب الرأى مسئول عنه وعن اثبات صحته ثم أضاف شرطا آخر فقال ” وأدى الفرائض ” و لم يحدد صراحة حكم من لا يؤدى الفرائض .
من هنا انبنت نظرة قطب لاسلام الغير كامتداد تطبيقى لنظرة البنا فقضية قطب الأساسية هى ” وجوب تحكيم شرع الله ” ومن هنا كان رأيه امتدادا لرأى البنا فيتوقف عند القيد والشرط الوارد بالقاعدة البناوية فى هذة المسألة ” وعمل بمقتضاهما ” … فمجرد ترديد الشهادتين دون العمل بمقتضاهما لايكفى وعلى هذا الاساس حدد قطب المجتمعات وفق تقسيم ثنائى مجتمع اسلامى يطبق فيه الاسلام عقيدة وعبادة ، شريعة ونظاما ، خلقا وسلوكا .. وآخر جاهلى لايطبق فيه الاسلام ولاتحكمه تصوراته وقيمه وموازينه ، ونظامه وشرائعه وخلقه وسلوكه ، ليس المجتمع الاسلامى هو الذى يضم أناسا ممن”يسمون أنفسهم مسلمين ” بينما شريعة الاسلام ليست هى قانون هذا المجتمع ، وان صلى وصام وحج البيت الحرام … وقد يكون المجتمع ـ اذا لم يطبق الشريعة ـ مجتمعا جاهليا ولو أقر بوجود الله فى البيع والكنائس والمساجد .
وكما بنى قطب فكره على قاعدة البنا بنت من بعده جماعات الاسلام السياسى ارائها على قاعدة قطب التكفيرية فمنها من قام بتكفير المجتمعات المسلمة فى الدول التى لاتخضع لحكم الله ” الحاكمية ” واتجه فريق آخر الى تكفير الانظمة واجهزتها واباحة دماء كل من ينتمى اليها وتوالت موجات العنف تصاعديا طوال العقود الماضية … وعندما وصل صدام الجماعة مع النظام الناصرى الى ذروته نتيجة لذلك الفكر .. كانت الابواب والتخريجات التى تحويها رسائل الأمام هى الملاذ كالعادة وهى باب الطوارىء للخروج من الازمات … فقام المرشد الثانى للجماعة حسن الهضيبى باجراء مراجعة لفكر الاخوان فيما ارتبط بمسألة التكفير وذلك اثناء سجنه 1969 واكد على عودة فكر الاخوان الى ماكان عليه فى حياة البنا وفقا للأصول العشرين ( نلاحظ تقديس النص ) وهو عدم تكفير أى من المسلمين مكتفيا بالمقطع الأول فقط من قاعدة البنا فى مسألة التكفير وأن واجب الدعاة هو الدعوة الى الله فقط أما الحكم بالكفر من غيره فليس من شأن الجماعة ( وبالطبع لم يحدد من أولى الأمر واصحاب الاختصاص فى تلك المسألة لتبقى الابواب مفتوحة ) .. و ذلك فى مؤلفه الشهير ” دعاة لاقضاة ” … وهكذا دائما ماكانت تتجلى البراعة الفائقة للجماعة فى التراجع والالتفاف والقدرة على البقاء داخل المنطقة الرمادية تستطيع منها ان تنطلق فى الاتجاه وعكسه .. واستكمالا لتحرك الهضيبى اطلقت الجماعة حملة واسعة لاستنكار اجتهادات قطب مع تبريرها بأنها كانت نتيجة للاساءات والتعذيب اللذان تعرض لهما الرجل فى وضع صحى ومرحلة عمرية حرجين .. هكذا تعود الجماعة لقاعدة البنا لاتمس ولاتعدل وتظل قابلة ومنتجة فى نفس الوقت لاراء التكفير فاذا واتى الظرف السياسى انطلقت فى الاتجاه الذى يخدم مصالح الجماعة ، واذا ما تغيرت الظروف فليتحمل تبعتها من أطلقها على طريقة ” ليسوا اخوانا وليسوا مسلمين ” .. وما أشبه الليلة بالبارحة فبعد السقوط الدرامى لحكم الجماعة فى 2013 وجدت الجماعة نفسها وقد استنفذت ما فى جعبتها من مناورات سياسية فأطلقت عمليات العنف والاغتيالات سواء من خلال عناصرها أو بالوكالة وعملت بالرغم من ذلك جاهدة على ان تبقى داخل المساحة الرمادية من خلال تحركاتها لتسويق خطاب المظلومية بالخارج واطلاق دعوات المصالحة لجس النبض بالداخل .
الاخوان حريصون دوما على اتباع مؤلفات سيد قطب والافادة منها فبدونها لاتتم عملية التكوين الفكرى لاعضاء الجماعة وان كان فى الظاهر يؤكدون التزامهم بالمنهج الذى أرساه البنا فى تقديم دعوة الاصلاح وتؤكد ذلك كتابات مفكريهم المعاصرين مثل يوسف القرضاوى وفيصل مولوى وغيرهما وما يقال بوجود جناح قطبى متشدد بالجماعة أو ما يعرف بالصقور وآخر اصلاحى انما هو تصنيف تنظيمى واختلاف اسلوب عمل ينطلق كلاهما من قناعة وتكوين فكرى واحد وتروج الجماعة لهذا الأمر كتحرك تكتيكى يسمح لها بالمراوغة والانتقال بين المواقف .
هذه هى رؤية البنا لاسلام الغير وامتدادها فى فكر السيد قطب والتى انبنت عليها فتاوى التكفير وتلك هى الآثار التى ترتبت عليها وهذه هى النتائج حاضرة ماثلة لاتقبل الانكار .. تلك هى قواعد البنا ونصوصه التى ضمنها كل اسباب الاختلاف والمناقضة والتضارب وحرص على صياغتها باسلوب التعميم ليحافظ على المساحة الآمنة لاستمرار الجماعة لا الدعوة ولتستطيع ان تنتقل بين الرأى وعكسه وتدير صراعاتها بنفسها او بالوكالة حسبما تقتضى المصلحة . … لكى يامصر السلامة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *