الأحد, سبتمبر 27, 2020
الرئيسيةعاجلالتداعيات الاقليمية للمعضلة الاخوانية
عاجلمقالاتنظرة

التداعيات الاقليمية للمعضلة الاخوانية

كتب اللواء احمد عفيفى الخبير الأمني والمتخصص في حركات الإسلام السياسي في العالم العربي وعضو الهيئة الاستشارية بمركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية
عندما انشأ حسن البنا جماعة الاخوان المسلمين 1928 كانت هى الحركة الاسلامية الأولى التى تأسست تفصيلا على ظروف عصرها ووفقا لمفرداته ونظمه التى تحكمه بخلاف المعروف عن منهجية تكوين الحركات الدينية التى يغلب عليها التشدد والأصولية … ولذلك لم يصبح الاخوان المسلمين الجماعة الدينية الاحيائية الأكبر والأقوى فى العالم الاسلامى من فراغ أو نتيجة لظرف مواتى بل نتيجة تخطيط محكم يقدم اسلاما حركيا لأول مرة يشتبك بادوات العصر مع المجال السياسى والاجتماعى والثقافى فى المجتمع الذى تتواجد فيه لتؤسس ايديولوجية الاسلام السياسى الملتبسة فى مصر والمنطقة كلها .
اكتسبت الجماعة عبرتاريخها الذى شهد التغيرات الجذرية فى الجغرافيا السياسية للمنطقة وهياكل العلاقات العربية العربية والعربية الاقليمية خبرات سياسية ومستوى متميز من فهم طبيعة الصراع بالمنطقة وقدرة على التعاطى مع أنظمة الحكم بها حيث نشط المعادل الدينى فى علاقات السلطة والحكم … ترجمت هذه الخبرات ـ فى احد صورها ـ الى ارتباطات مع القوى الاقليمية بالمنطقة التى تهدد الأمن القومى العربى ـ ونتحدث هنا عن تركيا وايران ـ وتصاعد الدور الاخوانى خلال الفترة التى اعقبت ماسمى بثورات الربيع العربى محدثا تداعيات كبيرة مابين الوصول الى الحكم باكبر دولة عربية ، وبين تدمير دول بالكامل واذكاء الصراع والاحتراب الأهلى وادارة اعمال الارهاب الدموى بصور ومستويات مختلفة بدول اخرى، والآن أصبح هذا الدور يشكل مستوى خطير من التهديد الاقليمى فى ظل وضع الجماعة الحالى الذى تعانى فيه تصدعات كبيرة فى البنى التنظيمية واضطراب شديد فى مركز القرار ، ويطرح أسئلة صعبة عن مآلات علاقة الجماعة بكلتا الدولتين والدور الذى تقوم به لصالحهما فى مقابل الرعاية والتمويل وتوفير الحاضنات الامنه لقياداتها الهاربين ودعم مراكز حركتها بمناطق الصراع بليبيا وسوريا واليمن وتهديد الاستقرار بباقى الدول العربية .
لايجب الاستهانة بما طرأ على الجماعة من تحولات نتيجة اخفاقاتها المتتاليةمنذ 2013 وسقوط المشروع الاخوانى بالدولة الكبرى بالمنطقة وانهيار مخطط القوتين الاقليميتين الذى تأسس على هذا المشروع ، فالجماعة الآن تنسق العمل الارهابى مع التنظيم الأكثر دموية ( داعش ) وتمول العمليات الارهابية بالمنطقة بالاموال القطرية وتقوم بممارسة العنف بنفسها من خلال لجانها النوعية ومجموعاتها المسلحة المستحدثة مثل ( لواء حسم ) فى مصر ـ حيث حققت تطورا تكتيكيا ملحوظا فيما يسمى بارهاب المدن ـ فى نفس الوقت الذى تمتلك فيه تشكيلات مسلحة وميليشيا بمناطق الصراع بليبيا وسوريا ، بينما تحاول اعادة الانتشارسياسيا بدول المغرب العربى وعدد من دول الخليج … ولكن ماذا تمثل الجماعة لكلتا القوتين وماذا تمثلان هما بالنسبة لها ؟
الاجابة عن هذا السؤال ضرورة لفهم وتقييم الحركة الاخوانية بالمنطقة خلال هذه المرحلة والوقوف على حدود تاثيرها اذا كان هناك اتجاه جاد لبلورة رؤية شاملة ومواجهة مشتركة بين الدول المعنية ، فتركيا وايران واسرائيل هم القوى الاقليمية الثلاث المهددة للأمن القومى العربى ، ومايعنينا الآن الأولى والثانية موضوع الارتباط بجماعة الاخوان ودور الأخيرة فى زعزعة الاستقرار بالمنطقة بالوكالة عن الدولتين ، فبعد الاطاحة بحكم الجماعة شهدت العلاقات التركية المصرية تحولا كبيرا ، وارتفعت نبرة التحريض التركى ضد مصر لتأليب المجتمع الدولى على النظام المصرى والتجأ العديد من القيادات الاخوانية الى تركيا متخذين منها منصة للهجوم على مصر ، ذلك أن جزء كبيرمن رؤية تركيا لعمقها الاستراتيجى وقناعتها بتعاظم فرص تصدير النموذج التركى للمنطقة تأسسا على ماجرى من احداث فى مصر فى 2011 ، فعملت منذ اليوم الأول على دعم وصول جماعة الاخوان المسلمين للحكم واستثمار التناغم الايديولوجى الواعد بين حزبى “العدالة والتنمية ” التركى وحزب الجماعة ” الحرية والعدالة ” ،الذى دعمته تركيا بكل الوسائل ،وكان من اللافت فى ذلك الوقت قيام أردوغان بالقاء خطاب فى جامعة القاهرة وسط قيادات الجماعة مدشنا مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجى المصرى ـ التركى ،وبدأ الدورالتركى فى التاثيرعلى الاتجاه فى قصرالاتحادية من خلال المعونات السخية ” قدرت بمليارى دولار ” والقروض بدون فوائد والاستعانة الواسعة بالشركات التركية فى كل المجالات.
بالطبع لم يغب عن مكتب الارشاد ادراك الأهداف التركية وقام بالفعل بوضع الاستراتيجية العامة للتمكين التركى ( مرحليا ) والتخطيط لتوسعة نفوذه من قاعدة الارتكاز بالمنطقة مصر متبنيا فى ذلك أسلوب الاستخدام المتبادل وفقا للقاعدة الاخوانية العتيدة التى يعتمد عليها التنظيم فى جانب كبير من حركته قاعدة “تفعيل الغير ” ، فلم يكن لمكتب الارشاد أن يكتفى بأن تقوم الجماعة بتأدية الدور المطلوب منها مقابل التمكين لها من مفاصل الدولة المصرية فقط ولكن لابد من استخدام الدعم التركى واستثمار أوهام اردوغان بشأن الخلافة العثمانية لتمكين المشروع الاخوانى بالمنطقة للانطلاق الى استاذية العالم فالخلافة مقرها مكتب الارشاد وليس انقرة . وقامت الجماعة بالتسويق لخطاب دعائى مخادع للداخل المصرى الطامح للتغيير فى هذا الوقت يبشر بنهضة قريبة تتحقق على يد حزب الحرية والعدالة تماثل نجاح التجربة التركية على يد حزب التنمية والعدالة مستغلة فى ذلك قصور الوعى العام عن ادراك جملة الفوارق السياسية والفكرية بين الحزبين فضلا عن اختلاف ظروف البلدين ماينتفى معه هذا التلازم الكاذب .
بعد سقوط الاخوان وماشكله من صدمة كبيرة للنظام التركى انصرف الاهتمام الى متابعة الشروخ العميقة فى العلاقات التركية المصرية على كل المستويات وحساب تطوراتها ، ولكن الان وفى ظل العدائيات التركية المتصاعدة بات من ضروريات الأمن القومى اعادة تقييم العلاقة بين نظام اردوغان واجهزنة الاستخباراتية وبين تنظيم الاخوان المسلمين ،المؤكد أن الجماعة لم تعد بالنسبة لتركيا ــ حاليا على الأقل ـ مشروع ونموذج الحكم المأمول الذى تعول عليه فى ربط الاقليم بنفوذها ومصالحها وتحولت خاصة فى الدول المنهارة الى ميليشيا مسلحة ووكيل ادارة الصراع و صناعة الارهاب ووسيط التنسيق والتمويل للتنظيمات المتطرفة ، أما فى الجانب المتعلق بالاستخدام السياسى للجماعة لم تعد الأخيرة القوة السياسية ذات الثقل الشعبى والتأثير الفعال الذى يسمح للأتراك بتأمين ارتباطات وثيقة بالانظمة الحاكمة بالمنطقة والحالة التونسية مثال قائم حاليا فالفشل الكبير لزيارة اردوغان لتونس مؤخرا لدعم التدخل التركى فى الأزمة الليبية يعكس الحجم الحقيقى لحزب النهضة الاخوانى فى معادلة الحكم فى تونس وهو مادفع الغنوشى الى الاسراع بزيارة الرئيس التركى فى واحدا من اكثر مشاهد السياسة الدولية ابتذالا .
ملف جماعة الاخوان فى طورها الحالى ودورها الاقليمى فى حاجة الى دراسة متعمقة تتوافر لها كافة المقومات لبلورة رؤية شاملة وتطوير اليات التعامل وتحديد مسارات التعاون بين دول المنطقة ، فالتصدع الكبير لتنظيم قديم ممتد الأذرع وبهذا الحجم فى ظل مرحلة شديدة الاضطراب تشهد تهديدات غير مسبوقة للأمن القومى العربى ينبىء عن مخاطر كبيرة أقربها الأثار المترتبة فى حالة الانهيار الكامل للجماعة والتشظى التنظيمى والانقسامات الفكرية وانتشار التكوينات المتطرفة التى تعمل منفردة او تندمج فى التنظيمات الدموية والميليشيات المسلحة ويصعب وقتها التكهن بالمآلات وحساب النتائج .. وللحديث بقية فى المقال القادم عن علاقة جماعة الاخوان بايران.
. . . لكى يامصر السلامة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *