الثلاثاء, فبراير 25, 2020
الرئيسيةايرانالتداعيات الاقليمية للمعضلة الاخوانية … الاخوان وايران التمكين السنى والتمكين الشيعى
ايرانتقاريرعاجل

التداعيات الاقليمية للمعضلة الاخوانية … الاخوان وايران التمكين السنى والتمكين الشيعى

لايمكن فهم طبيعة العلاقة واسباب التقارب بين جماعة الاخوان المسلمين بوصفها كبرى جماعات الاسلام السياسى على مذهب السنة وبين ايران دولة المذهب الشيعى الأكبر رغم تعارض الاهداف وصفرية الصراع ( اما خلافة سنية أو خلافة شيعية ) دون القاء نظرة تاريخية على نشأة هذه العلاقة والأسس التى قامت عليها والتى بدأت دينية وصارت سياسية مصلحية ، يتعاون فيها الطرفان على الهدف المرحلى وهو القضاء على الأنظمة القائمة بالدول الاسلامية التى تعوق مشروع التمكين ، وكلاهما يأمل ان يتمكن خلال هذه المرحلة من ضم الطرف الاخر تحت لواؤه كنهاية سعيدة لمسلسل دعاوى التقريب الوهمية التى تظهر وتخفت من وقت لآخر .
دائما لايتنبه اصحاب الايديولوجيا الى الخطأ التاريخى لكل صراع من هذا النوع ، مع الوقت المصالح هى التى تحدد الأهداف وليس الايديولوجيا ، وتنقلب القضية الى النقيض ــ وان اصروا على الادعاء بغير ذلك ــ فتكون الفكرة فى خدمة التنظيم بعد ان كان من المفترض ان يكون التنظيم فى خدمة الفكرة (من الممكن أن يكون التنظيم نظام حكم كالحالة الايرانية والحالة الاخوانية 2012/2013 ) وفى النهاية يسود العنف اذا لم تنتصر السياسة .
نعود لأساس العلاقة وطبيعتها ، فجماعة الاخوان المسلمين حرصت منذ البداية على ربط غياب الرؤية الصحيحة للاسلام برجال الدين من العلماء الرسميين، بل وزادت عليهم أى من أهل التدين السنة بالطبع …. رأى البنا هذا واضح فى كثير من اقواله وكان اساس التحرك الاخوانى نحو هدم الثقة فى رجال الدين وعدم جواز اتباع فتاواهم واراءهم الفقهية .. بهذه الرؤية كانت جماعة الاخوان المسلمين أول من فتح باب منازعة الأزهر الشريف فى الاختصاص كمؤسسة حاضنة للاسلام والمسئولة عن ضبط الممارسة الدينية لتؤسس لولايتها الباطلة على الدين وعلى المجتمعات الاسلامية .. يظهر ذلك ايضا بوضوح فيما أورده الشيخ / محمود عبد الحليم عضو الهيئة التأسيسية لجماعة الاخوان المسلمين بكتابه الموسوعى ” الاخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ عندما قال … ( أما الأزهر ، وهو المصدر الوحيد الذى يتلقى الناس منه تعاليم دينهم فانه كان أداة طيعة فى يد المستعمر عن طريق الحكام … نشر فى الناس صورة باهتة مشوهة للاسلام فكان معنى الاسلام فى نظر الناس بفضل الأزهر لايتعدى طقوسا تؤدى داخل المساجد أو فى البيوت ، وكادت الاستكانة أن تكون مرادفة للاسلام فى نظر الناس ويمكن اجمال وصف الوقت الذى ظهر فيه حسن البنا بانه ظهر والأمة ميتة تماما لاحراك بها ) .
هكذا وبمنتهى البساطة أسقط الشيخ عبد الحليم تاريخ الأزهر وأبطل دوره بل اتهمه بالعمالة للمستعمر الانجليزى وللقصر لم يذكر أى من تاريخه النضالى الممتد فى التاريخ منذ نشأته .. بل تجاهل ماعاصره هو بنفسه من احداث وانطلاق الشرارة الاولى لثورة 1919 من الازهر وتحرك المظاهرات منه ولم يلحظ دوره فى انتفاضة الشعب المصرى 1935 ضد الاحتلال ، ذلك النضال الذى استمر بعد ذلك عقب عدوان 1967 ودعوة الأزهر للشعوب العربية الى المقاومة التى كان أساسها اصلاح المجتمع وغرس القيم الدينية والجهاد بالأنفس والأموال، وحتى القاعدة التى وضعها الشيخ رشيد رضا وتمسك بها حسن البنا فى سعيه للتقارب مع المذهب الشيعى ” نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه ” لم يكن لها تطبيق للبنا وجماعته فى موقفهم من الأزهر الشريف وكيف يكون وقد أوضح يوسف القرضاوى أن المقصود من القاعدة أن يتعاون أهل القبلة جميعا ضد اعداء الاسلام والأزهر وفق التصنيف الاخوانى عميل للمستعمر مناصر لاعداء الدين، … لانريد أن نستطرد فى ذكر تاريخ الأزهر ونضالة الدينى والوطنى فهو فى غنى عن ذلك ، وأنما نبين فقط ان استهداف المؤسسة الدينية الأكبر فى العالم الاسلامى وممثلة أهل السنة والجماعة ( 90% من المسلمين ) والعمل على اسقاط قيمتها فى وجدان الشعوب الاسلامية كان ولايزال من الأهداف الأساسية للجماعة منذ تأسيسها وبدون تحقيقه لن تتمكن من استلاب الولاية والاختصاص
فى المقابل كان للبنا رأيا آخر مغاير تماما لموقفه من الأزهر تجاه المذهب الشيعى ، وكانت قاعدة الشيخ رشيد رضا هى الأساس الذى بنى عليه توجهه مع المذهب الشيعى ، هذا المبدأ الذى اشتهر بقاعدة المنار الذهبية التى أسسها رضا وذاع صيتها فى ارجاء العالم الاسلامى فى هذا الوقت وكان يستند اليه فى محاوراته مع الشيعة والتى انتهت الى رفضهم دعوته بل وتكفير رشيد رضا عندما تبين لهم انه مبدأ تكتيكى اتخذه رشيد مدخلا لاستدراج عقلاء الشيعة الى فكرة ان المتفق عليه هو الكتاب والسنة وتعظيم القرون الثلاثة الخيرية كما وردت فى كتب السنة ، و حذر رشيد رضا البنا من التقارب مع الشيعة الصفوية ، ولكن البنا كان له رؤية اخرى فى الامر ، فذات المبدأ عندما استخدمه فى مبادرته مع الشيعة تجاوز كل نقاط الخلاف فقبلوا المبادره ، الأمر الذى يثير تساؤلات كبيرة لازالت قائمة حتى اليوم حول الأسس التى بنى عليها البنا اوجه التقارب مع الشيعة ليقبلوا مبادرته والتى تحولت عبر العقود الماضية الى قاعدة اتصال وتنسيق وتعاون بين الجماعة ونظام الثورة الايرانية وامتدادات هذا التنسيق بين حزب الله اللبنانى وحركة حماس ؟ كيف تجاوز البنا الخلافات الجوهرية بين السنة والشيعة وماهى صيغة التقريب التى أهتدى اليها بعد أن حار العلماء وعجزت المؤسسات ؟ … أم انها كانت تحركات سياسية للتعاون وتنسيق المصالح المشتركة تجاه أهداف سياسية يريد البنا تحقيقها بدعوى التقريب بين المذاهب ؟ وهذا هو الأرجح ، فالبنا فى توجهه العام لتأسيس جماعة الاخوان كان متأثرا بسقوط الخلافة العثمانية وماتبع ذلك من حالة تفرق للأمة فكان سعيه للتقريب بين المذاهب لهدف سياسى اتخذ طابع التحرك الدينى فكانت المقاربات سياسية لادينية واستطاع تأويل قاعدة استاذه رشيد رضا تأويلا سياسيا فلاقت القبول من الشيعة على عكس ما انتهت اليه مع رشيد رضا حيث تم تكفيره هو شخصيا لانه التزم في دعوته الضوابط الشرعية وهدفه فيها كان التقريب المذهبى بالفعل ، وفى ذلك نجد للمفكر الاسلامى / محب الدين الخطيب (1886م ـــ 1969 م ) ــ ويعتبر رشيد رضا من اساتذته وشاركه التدريس بدار الدعوة والارشاد وكانت علاقته بالبنا اقرب مايكون اذ يعتبره البنا استاذه ــ كتابات متعمقة فى التحذير من مذهب الشيعة وله فى بيان موقف البنا وجماعة الاخوان المسلمين من مسألة التقريب مقالا هاما نشر بمجلته ” الفتح ” ( العدد 862 ) علق فيه على فكرة التقريب التى اثيرت فى هذة الفترة ، عندما أنشأ الشيعى تقى القمى ومجموعة من اتباعه مقرا له بالقاهرة سماه ( دار التقريب ) ورحب بانضمام المرشد لها .. وقد حدد الخطيب فى مقاله بيت القصيد ـ كما يقال ـ موضحا أن المسألة مسألة دين والكلام فى الدين يجب ان يكون صريحا وواضحا فى تفهم الغرض المقصود للاخوان من العمل على ازالة الفوارق أو بعضها ان أمكن ومبدأ أن امكان التعاون متوقف على الاقلال من الخلافات هو مبدأ لتحقيق مصالح مشتركة وليس مبدأ دينى وماعدا ذلك فانه يتطلب نقض الاسس الثابتة فى المذاهب وانشاء مذهب ثالث .

ربما يعتد البعض بان الخطيب الذى انتهى الى رأى قاطع باستحالة التقريب بين المذهبين هو من أسس الاتجاهات العامة للدعوة السلفية ورأى السلفية معارض دوما لمسألة التقريب بين المذاهب وترفض أية مقاربات مع المذهب الشيعى … ولكن الواقع نفسه يؤكد فشل كل المشروعات فى هذا الاتجاه …. فمتى نجحت محاولات التقريب ودعاواه المختلفة طوال القرن العشرين؟ لعل من اهم ماكتب فى هذا الشأن كتاب ” التقريب بين المذاهب الاسلامية فى القرن العشرين الأزهر والتشيع محاولات وتحفظات ” للكاتب الألمانى / راينر برانر الذى استعرض مسار حركة التقارب بين المذاهب صعودا وهبوطا وانتهى فيه الى أن الخلاف بين الطائفتين الأكبر السنة والشيعة كان ولايزال خلافا عقائديا وسياسيا وأن لامجال للتوحيد بينهما ، ويتضح من تحليل التتبع الزمنى لمسار حركة التقارب بالكتاب أن كل ماحدث من تقاربات بين المذهبين انما جاءت فى سياق سياسى هيأته طبيعة المرحلة … ولانريد الاطالة ولانهدف الى التعرض بالبحث المتعمق لمسألة التقرييب بين المذاهب وانما نوضح أن موقف وتوجه البنا صاحب الخطة العملية و الذى سارت عليه جماعته الحركية من بعده من الشيعة هو موقف سياسى بحت لم يكن اصلاح العقيدة يمثل أولوية فيه ، فالهدف انشاء دولة وسلطة ونظام حكم اسلامى وفقا لمقاييسه ومفاهيمه فلم يهتم بتصحيح عقيدة وتنقية الدين مما ليس منه واصلاح الممارسات الاسلامية للشعوب الاسلامية بقدر اهتمامه بصياغة الدعوة بما يحقق القدر الاكبر من الانتشارفى اوساط الناس والتمكين للجماعة واستلاب اختصاص أولى الأمر فينازع الأزهر فى دوره ولاترى الجماعة أنه أمين على اسلام أهل السنة ولاتقبل الجماعة اسلام أهل السنة أنفسهم مالم يوافق ضوابطهم ورؤيتهم بينما فى المقابل يمكن التعاون مع المذاهب الأخرى وتجاهل الاختلافات مهما كانت جوهرية والحقيقة ان كلا الموقفين لهما هدف سياسى واحد هو التمكين والسيطرة .. هى ليست مواقف هى توجهات توافقية لم تكن تهدف لتحقيق جهد علمى فقهى فى تبيان الاختلافات وابراز المتفق عليه بين المذاهب والطوائف وانما فقط جهد تنظيمى تكتيكى لتفادى الصراع واستقطاب الانصار من مختلف الاتجاهات لتحقيق مستهدف الانتشار والتمكين وهو أمر تجيده الجماعة … ولعل من ابرز شواهده الحديثة التى عكست خبرة وتاريخ الجماعة فى هذا الاتجاه هو خداع التيارات الدينية المختلفة للاصطفاف خلف قيادتها داخليا وخارجيا الفترة التى سبقت وصولها للحكم وخلال عام السلطة ، بل وتمكنت من تصدير ذلك المفهوم للغرب كجماعة حاضنة لكل التيارات وقادرة على احتوائهم وتوجيههم وتقديم نموذج حكم اسلامى يتماهى والمفاهيم السياسية الحديثة فى الحكم والعلاقات الدولية .
هذا الايجاز فى الاشارة للأساس الفكرى للعلاقة بين تنظيم الاخوان وايران نراه ضرورة ومدخلا لفهم طبيعة العلاقة وتطور اشكالها قبل الثورة الاسلامية فى ايران 1979 وبعد تمكن نظام الملالى وحتى الآن فى ظل الاضطراب الشديد الذى تعيشه المنطقة وتنتجه هذه الاطراف فى سعى كل منها لاستخدام الآخر …. وللحديث بقية
لكى يامصر السلامة
اللواء / أحمد عفيفي الخبير الأمنى والمتخصص في حركات الإسلام السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *