الأحد, سبتمبر 27, 2020
الرئيسيةعاجلعندما غابت القوى الناعمة …على هامش تجديد الخطاب الدينى….
عاجلمقالات

عندما غابت القوى الناعمة …على هامش تجديد الخطاب الدينى….

الأصل فى ثقافة أى أمة من الأمم ـ بغض النظر عن مكانها من الأمم المتقدمة ـ هو وحدة الاتجاه فبه تتمايز الشعوب عن بعضها وبه تتميز ايضا ، فاذا كان المكون الثقافى لأمة من الأمم هو الدين نجد ثقافتها قد اصطبغت بالروحانية واذا كان العلم اتسمت ثقافتها بالواقعية ، وتظل الشعوب تحيا فى حالة تجانس بين مكوناتها ومع مناخها الثقافى السائد مالم تدور مع دورات التدافع بين الامم وتلج الى حلبة الصراع بين الحضارات تلك السنة الكونية التى لاتتوقف ولاتتبدل مادامت الحياة على الأرض ولذلك نجد ان ثبات مكونات اى ثقافة من الثقافات هو ثبات نسبى الى حد ما وان كانت تلك المكونات فى تجاوبها مع التطور الناتج عن الصراع تظل محتفظة بخصائصها الأصلية .
ولقد كانت مصر حتى مطلع القرن العشرين ـ قبل انفتاحها على الحضارة الغربية ـ أمة تتسم بالتجانس الكبير بين مكوناتها الثقافية والاجتماعية وكان الدين ولايزال ــ وان كان بدرجة مختلفة الأن ــ هو أساس الثقافة المصرية ، فالمصريون متدينون بحكم التاريخ ينظم الدين كافة جوانب حياتهم ويضبط علاقاتهم فى ماهو كائن وما سوف يكون ويقنن الفوارق الاجتماعية والثقافية بين الطبقات بما يحفظ التماسك ويصون حالة التجانس بين ماضيهم وحاضرهم ،كتلتهم وارضهم الى ان تدافعت عليهم موجات الثقافة الغربية فأحدثت خلال مدى زمنى قصير تباينا واضحا بين طبقات الشعب المصرى ظهر مجسّدا بوضوح بين نمط الحياة بالقاهرة ونمط الحياة بريف مصر حيث اتسعت الفوارق الثقافية بينهما ما يكاد يجعلهما أمتين مختلفتين من عصرين متباعدين ، وبات واضحا بعد ثورة 1919 أن مجتمع جديد قيد التشكيل فى القاهرة والمدن الحضرية الكبرى بعد ان تشرب ثقافة وفكر الغرب واسلوب الحياه نفسها ، وكان ذلك يتم فى ظل فورة ثقافية وسياسية واجتماعية ميزت الحياة بالعاصمة والمدن الكبرى خلال تلك الحقبة، فى الوقت الذى كان فيه ذلك المجتمع الأخر القابع فى قلب الريف محافظا على خصائصه متحصنا ببيئته المحكمة الغلق لايسمح بأى نفاذ أو تسرب لمؤثرات تلك الحضارة الغربية الوافدة ، وظل الدين وحده هو الذى يحدد الاتجاه ومهيمنا على المناخ الثقافى والاجتماعى لهذا المجتمع ، وبمرور الوقت أخذت الهوة بين المجتمعين تزداد اتساعا وبدت النخبة المثقفة انذاك ــ رغم حيويتها ــ غافلة عن ادراك خطورة ذلك التضاد المتنامى على وحدة المجتمع وتجانسه ، وفى الوقت الذى كان ينبغى عليها فيه أن تنهض بدورها لتحمى الهوية الثقافية وتحافظ على ثرائها وتدعم قدرتها التاريخية على استيعاب وهضم الثقافات الوافدة وتمصير عناصرها داخل وعائها الحضارى العريق وتوحدها تجاه غايات واحدة ، ثم يكون الاختلاف المجتمعى ـ بعد ذلك ـ اختلافا فى الدرجة وفى الوسائل لا فى الغايات ، انقسمت تلك النخبة نفسها الى فريقين مختلفى الاتجاه اختلافا بعيد المدى ،فحمل فريق راية التغريب وعاش بكل ثقافته فى العصر الجديد والحياة الوافدة من الغرب متنكرا لثوابت الثقافة المصرية ، بينما تمسك الفريق الآخر بفكرة العودة الى الماضى كسبيل وحيد للانقاذ ، وبعدت الشقة بين الفريقين وتصاعد الصراع فكانت السيادة “لفريق الثقافة الجديدة” فى النصف الأول من القرن العشرين مدعوما بقوة البدايات التى غالبا ما تصاحب أى تيار جديد الى أن دالت “لفريق العودة الى الماضى” فى النصف الثانى ثم وصل الصراع بين الفريقين الى ذروته فى القرن الجديد وتعددت دوائره وتنوعت بين سياسية ودينية واجتماعية وتهدمت اركان رئيسية من هويتنا الثقافية مخلفة ورائها اثارا خطيرة تسببت فى مالاحاجة بنا لذكره من الأوضاع التى نعيشها الآن .
ونعود مرة أخرى الى بداية الحقبة والتى توصف بانها الحقبة الليبرالية فى تاريخ مصر الحديث 1923 ـ 1952 لنجد أن العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى اجتمعت على الأمة المصرية قد وصلت الى ذروة تفاعلها محدثة تصدعات خطيرة فى البناء القيمى للمجتمع وعجزت النخبة المثقفة عن القيام بدورها المفترض فى تشكيل الوعى واستيعاب المتغيرات وهو الدور المنوط بالقوى الناعمة فى أى مجتمع فدور هذه القوى لا يقتصر فقط على التأثير فى المحيط الاقليمى أو الخارجى بصفة عامة ــ رغم أن هذا الدور كان على درجة كبيرة من القوة والتأثير فى المحيط العربى أنذاك ــ بل هو فى الأساس يمثل القوة الدافعة للحركة نحو التقدم وهو القوة الحامية للهوية ووحدة الاتجاه وهو القوة الضامنة للأمل والغد ومستقبل هذا لمجتمع بشرط أن يتم فى اطار منظومة رسمية ومجتمعية متكاملة ووفقا لخطة شاملة تحظى فيها الأهداف بتوافق مجتمعى عام وتتحدد فيها الأدوار على ضوء لذلك ، خاصة فى مجتمع بمواصفات المجتمع المصرى فى هذا الوقت يحمل ـ رغم احتلال ـ مقومات النهوض ويحظى بدستور يعبر عن مجتمع ليبرالى واعد يتطلع للحرية والتقدم
( دستور 1923) الا أن القوى الناعمة المصرية رغم ثراؤها وامتلاكها خلال تلك الفترة ـ وعلى مر العصور ـ رموزا ومبدعين ومفكرين يصلح الكثيرين منهم روادا لنهضة كاملة لم تحظى يوما بتلك المنظومة المتكاملة القادرة على مقاومة الاختراق الثقافى ومحاصرة مساحات الخلاف ومناطق الفراغ الفكرى والدينى التى شكلت التربة الخصبة لنمو المشروعات الفكرية المشوشة منحرفة الاتجاه ، فتقوم بدورها فى الحفاظ على الثقافة الوطنية الوسطية وتحرس الوعى العام وتلقى الضوء على الخلل وتسارع بوضع الحل الذى يكون ملزم لكل مؤسسة أو طرف ليقوم بدوره المحدد فى المنظومة .
وفى رأيى فغياب هذا الدور فى هذه الفترة تحديدا هو السبب الرئيس فى مولد المشروع الفكرى الاخوانى وتضخم ايديولوجية الاسلام السياسى ومانتج عنهما من افكار وتفسيرات مثلت كافة درجات التطرف بدأت بالوعظ وانتهت بالدم ، وقد اتاح طول الغياب الفرصة لذلك الفكر لينمو وينتشر ويتخذ العديد من الاشكال والقوالب التنظيمية ولتجرى عليه الظروف السياسية والاقتصادية عواملها عبر العقود الماضية ليزداد تحورا وتطرفا ومناعة ويكتسب مهارات البقاء والاستمرار فى اشكال واطوار مختلفة .
أدى الدور الغائب الى نشأة جماعة الاخوان المسلمين 1928 كتجسيد للفكرة التى ملأت مساحات الفراغ الفكرى والدينى فى شكل تطبيق عملى ملموس …. ذلك أن جماعة الاخوان المسلمين من الناحية العملية و بمنظور محايد بعيدا عن التقييم الايديولوجي ومسار الانحراف الفكرى هى فى الواقع منظومة بديلة ومتكاملة للقوى الناعمة ،أدرك مؤسسها غياب القوى الطبيعية عن الساحة فحدد مساحة الفراغ المتاحه وأسس تنظيمه عليها وحرص على امتلاك أدواتها وكلما ازداد الانسحاب اتسع التنظيم وتكاثر .
لقد كان غياب دور القوى الناعمة خلال تلك الفترة هو الأساس فى تشكيل التكوين المعرفى والاجتماعى لحسن البنا مؤسس جماعة الاخوان المسلمين نفسه و فى فهمه للوضع القائم ورؤيته له كخطر داهم يهدد الهوية الاسلامية مجسدا فى هجمة التغريب القادمة من اوروبا وهو جزء من نظرته الشاملة التى ترى تراجع الاسلام عبر العصور عما كان عليه منذ بداية الدعوة وغيابه الكامل بالمعنى الحقيقى عن نفوس المسلمين نتيجة لهجمة التغريب التى أصابت المجتمعات الاسلامية وحتمية تجدد الدعوة لصحيح الاسلام وعودته كمصدر لنظام شامل يحكم كل أمور الحياة كعبادة وايديولوجية دين ودولة ، اذن فالفكر كان نتيجة الصراع والتنظيم كان نتيجة غياب الدور .
فى النهاية نوجه النداء لعودة الدور الغائب للقوى الناعمة بما فيها الأزهر الشريف فتجديد الخطاب الدينى لن يتم بمعزل عن عملية شاملة لتطهير الثقافة المصرية وتعافيها ، فقد ولدت تلك الجماعة وتضخمت فى غيابه وانتجت الكثير من الأفكار المتطرفه وكرست لحالة التشدد وثقافة العنف وأضعفت روح التسامح والتعايش السلمى وافسدت فطرة المدنية والتحضر داخل المجتمع المصرى الأمر الذى شكل فى مجمله البيئة الحاضنة للارهاب … ، ولكن ما هو أخطر الآن أن ينهار ذلك الكيان الرهيب وينشطر تنظيميا وفكريا فى ظل استمرار الغياب حيث يصعب احتواء تداعيات ذلك الانهيار ويصبح الحديث عن تجديد الخطاب الدينى ترف لانملكه …. لكى يامصر السلامة .
اللواء أحمد عفيفي الخبير الأمني والمتخصص في حركات الإسلام السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *