الخميس, أكتوبر 29, 2020
الرئيسيةعاجلاللواء أحمد عفيفي يكتب …”المرشد”
عاجلمقالات

اللواء أحمد عفيفي يكتب …”المرشد”

كما هو معلوم فإن النواة الأولى لجماعة الإخوان المسلمين تشكلت بالإسماعيلية فى مارس( 1928) عندما التقى (حسن البنا) فى بيته كل من (حافظ عبد الحميد) و (أحمد (الحصري) و (فؤاد إبراهيم) و (عبدالرحمن حسب الله) و (إسماعيل عز ) و (زكي المصري) ، وكانوا من أكثر الذين تأثروا بدعوة (البنا) و دروسه التي يلقيها بانتظام منذ أن وطأت قدماه مدينة (الإسماعيلية) لاستلام عمله كمدرس إلزامى بها.
ذهبوا إليه و قد استقر لديهم اليقين أن هذه الدعوة التي يدعو بها الرجل أمانة كبرى و مسئولية عظيمة ، و عليه أن يحملها ، و أجمعوا أمرهم على مساندته و الإخلاص له ، فطلب منهم البيعة ؛ فبايعوه على أن يحمل أمانة الدعوة للإسلام ، و يكون لها قائدا ، و يكونون لها جندا ، و كان القسم..
” أن نحيا إخوانا نعمل للإسلام و نجاهد فى سبيله. ”

و قام بتسميتهم جماعة(الإخوان المسلمين )..هذه هي النواة الأولى التي أخلصت النوايا ، و عقدت العزم على نصرة الإسلام ، و العمل لخير المسلمين ، و تحتاج إلى من يرشدها للطريق ؛ و أن يكون (البنا) قائدهم ، و طلبوا منه أن يكوّن لهم جمعية أو رابطة يؤدون من خلالها دورهم .

بالطبع لم يكن متوقعا أن يصل فكر هؤلاء البسطاء ـ و للإنصاف و لا من هم أوسع منهم ثقافة و أكثر علما ـ إلى رؤية (البنا) لدوره و مكانته التي رسمها فى خياله و تصوره لهذه النوعية الفريدة من القيادة التي تعلو على أي رأس للسلطة ، فهي مكانة تجمع بين قمتي السلطة الروحية و الزمنية ، فليس لمن فى مثل التكوين الفكري و الشخصي ل (البنا) أن تحده المفاهيم التقليدية للسلطة و هرمها المعروف ، فقد كان تفكيره باتساع حلمه ، فحلم الخلافة و سيادة العالم لا يستقيم معه الاعتراف بشرعية نظام ، و لا يخضع لرقابة سلطة ، و إذا كان ظاهريا يدعو إلى إصلاح السلطة القائمة ، و يحرص على التعامل و التنسيق معها ، و الإبقاء على قنوات الاتصال بها مفتوحة ؛ فذلك من قبيل ضرورات الوجود و إنجاز المراحل و تحقيق الأهداف ليس أكثر ، و لا يعنى ذلك بأي حال أن جماعته تخضع فعليًا لهذه السلطة ، إلى أن تتم له ولاية الأمر على دولة المنشأ ، و منها لسائر الأقطار ؛ و تُعلن الخلافة .

و حتى بعد أن يتحقق الحلم ، و تصبح أستاذية العالم واقعا ملموسا ، يجب أن تظل تلك المكانة مرتفعة تعلو على كل السلطات ، بل هي مصدرها ، و هى مرجعية دولة الخلافة مثلما كانت مرجعية الجماعة خلال تاريخ نضالها..

‏ولذلك ..فإنه كان يرى رسالته أنه
‏” المرشد المؤسس”.. و من بعده يتعاقب الخلفاء على المنصب شبه المقدس “المرشد العام”..

فى هذه الليلة التاريخية كان (البنا) يعلم أن الفكرة التي تولد الآن مع
‏”البيعة” ، لا يمكن لهذه المجموعة النواة أن تستوعبها باتساعها و شمولها و مراحلها كما هي فى رأسه ؛ فتوجه إليهم قائلا :
‏”لا داعي للرسميات و الشكليات.” و اتجه بهم مباشرة إلى الفكرة و المعنويات و العمليات ، و شرع دون إبطاء فى وضع منهج التربية ، فأسماه وقتها “مدرسة التهذيب للإخوان المسلمين ” ، و استأجر مقرا لهذا الغرض يجمعهم فيه لدراسة التلاوة و التجويد و حفظ آيات و سور معينة من القرآن الكريم ، و دراسة التفسير و حفظ بعض الأحاديث و شرحها ، و تصحيح العبادات و العقائد ، و دراسة التاريخ الإسلامي و السيرة النبوية و سير الصحابة و السلف ؛ و ذلك بصورة مبسطة تهدف إلى النواحي العملية و الروحية .

هذه هي النواة الأولى للتنظيم التي كانت الحاضنة الأساسية للفكرة ، و بداية انطلاق المرحلة الأولى التي حكمت فيها الفكرة حركة و اتجاه التنظيم ، و نسجت الهالة المقدسة لمكانة “المرشد” ، يهتدوا بهديه و يقتدوا بإرشاده .

حرص ( البنا ) على أن هذه الهالة المقدسة لا تُمس ،كما حرص على أن يظل الرعيل الأول على حالة الإخلاص و النقاء ، فهم بذلك طوع بنان “المرشد” لا يخالفونه ، و يرسخ داخلهم مبدأ السمع و الطاعة ، يتسارعون فى نشر الدعوة في كل مكان بجهد المخلصين .

لم يكن العمل التنظيمى ماثلا فى الأذهان، و لا واردا فى التصور ، و لكنه لم يغب يوما عن ذهن (البنا) الذي كان يُرسى كل يوم أساسا من أسس البناء التنظيمى الذي خطط له .

و برحيل (البنا) انتهت مرحلة “المرشد المؤسس” ، و لكن ظل لمنصب “المرشد العام” تلك الهالة المقدسة و الرمزية التي يمثلها المنصب ؛ حيث أسس (البنا) لوجود قائد سري ؛ هو رأس السلطة التنفيذية للتنظيم .

مر منصب “المرشد العام” بمرحلته التالية و هي مرحلة ” المرشد الخليفة ” ،التي شهدت فى فترات خروجا عن النهج البناوي ” المرشد الرمز” و” القائد السرى ” ؛ و ذلك عندما ألغى المرشد الثاني (حسن الهضيبي) النظام الخاص و انفرد بالقيادة ، و من بعده عادت الجماعة لنهجها الأساسي ؛ حيث هناك دائما الرجل الثاني و القائد التنفيذى ، كالحالة الأخيرة لنائب المرشد (محمود عزت) الذي تم ضبطه مؤخرا .

واقع الأمر أن فكرة “القائد السري” تكتسب أهمية كبرى ، بل و تمثل ضرورة حتمية بالنسبة للجماعة ، أدركها مبكرا “المرشد المؤسس” برؤيته الثاقبة التي تعلم طبيعة المراحل التي ستمر بها الجماعة ، و ما تنطوى عليه فترات الانتكاس من تهديد وجودي لها يحتم وجود “القائد السري” أو العملياتي ، مثلما حدث فى اختيار (إبراهيم منير) مؤخرا.

لم يسبق (البنا) أحدا فى فكره التنظيمى ، و لم تعرف نظم الحكم قبله فكرة القائد الذي يجمع السلطة الدينية و السلطة الزمنية فى آنٍ واحد من خلال منصب “المرشد” .

و كانت الجمهورية الإيرانية هي أول من جسد الفكرة بامتياز في نظام حكمها بعد الثورة الإسلامية عام (1979)؛ التي أطاحت بنظام الشاه ، فإذا كان (البنا) سبق إلى الفكرة ف (إيران) سبقت إلى التطبيق ، حتى المُسمى لم تُجر عليه أى تعديل ، حيث يجمع “المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية” أو “الولي الفقيه” بين السلطتين ، و يتربع على قمة هرم السلطة ؛ فهو القائد و هو إمام الأمة لحين ظهور “الإمام المهدي المنتظر” ، حتى مواد الدستور الإيرانى التي تحدد شروط اختيار المرشد و مهامه (107،109،110) ، لا تختلف عن الشروط التي تنص عليها لائحة الجماعة التى أُقرت فى (1938) ، وتم تعديلها فى المادة (10) عام (1982) .

و على رغم ما تشهده جماعة الإخوان المسلمين الآن من تفكك و تحول جذري وتاريخي لم تمر بمثله من قبل ، إلا أن “المرشد” سيظل فكرة باقية مستمرة تقاوم الزوال ؛ لأنها فى حقيقتها هي جوهر و أساس أيديولوجية الإسلام السياسي ،
و المفهوم الفعلى للسلطة و الحكم ، و هى النموذج الذي يبحث حتى الآن عن مجال و مكان للتطبيق ، ظهر للوجود كنموذج فى الإسلام الشيعي تجسده (الجمهورية الإيرانية) ، و يتحين الفرصة منذ سقوط التجربة فى مهدها – بعد عام الحكم فى (مصر) – أملا فى العودة و إحياء دولة الخلافة السنية يوما ما . .
اللواء أحمد عفيفي الخبير والمتخصص في حركات الاسلام السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *